اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اعلم أنه - تعالى - لما عاب على أهل الكتاب كفرهم وسعيهم في تكفير الغير خاطب المؤمنين بتقوى الله والإيمان به، فقال :﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة، فقال :﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ﴾ يجوز أن تكون التامة، أي : ولتوجد منكم أمة، فتكون " أمَّةٌ " : فاعلاً، و " يَدْعُونَ " : جملة في محل رفع صفة ل " أمة "، و " مِنْكُمْ " متعلق ب " تكن " على أنها تبعيضية.
ويجوز أن يكون :" مِنْكُمْ " متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من " أمَّةٌ " إذْ كان يجوز جعله صفةً لها لو تأخر عنها. ويجوز أن تكون " مِنْ " للبيان ؛ لأن المبيَّن - وإن تأخر لفظاً - فهو متقدم رتبة.
ويجوز أن تكون الناقصة، ف " أمةٌ " اسمها، و " يَدْعُونَ " خبرها، و " مِنْكُمْ " متعلق إمَّا بالكون، وإمَّا بمحذوف على الحال من " أمةٌ ".
ويجوز أن يكون " مِنْكُمْ " هو الخبر، و " يَدْعُونَ " صفة ل " أمة "، وفيه بُعد.
وقرأ العامة :" وَلْتَكُنْ " بسكون اللام.
وقرأ الحسن والزهريّ والسلميّ بكسرها(١)، وهو الأصل.
وقوله :﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ من باب ذكر الخاص بعد العام ؛ اعتناء به - كقوله :﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] - ؛ لأن اسم " الْخَيْر " يقع عليهما، بل هما أعظم الخيور.
قال بعض العلماء :" مِنْ " - هنا - ليست للتبعيض، لوجهين :
الأول : أنه أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كُل الأمة.
الثاني : أنه يجب على كل مكلَّف الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر - إما بيده، أو لسانه، أو بقلبه - فيكون معنى الآية : كونوا أمةً دُعاةً إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
وكلمة :" مِنْ " : إنما هي للتبيين، كقوله :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويقال : لفلان من أولاده جند، وللأمير من غِلْمانه عَسْكَر، والمراد : جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم - فكذا هنا. ثم إذا قلنا بأنه يجب على الكُلِّ، فيسقط بفعل البعض، كقوله تعالى :﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة: ٤١]، وقوله :﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٩] فالأمر عامٌّ، ثم إذا قام به مَنْ يكفي، سقط التكليف عن الباقين والقائلون بالتبعيض اختلفوا على قولين :
أحدهما : أن في القوم مَنْ لا يقدر على الدعوة، والأمر بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر - كالمرضى والعاجزين.
الثاني : أن هذا التكليف مختصّ بالعلماء ؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر مشروطة بالعلم بهم، ونظيره قوله تعالى :﴿الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ [الحج: ٤١] وليس كل الناس يُمَكنون.
وقوله :﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وأيضاً الإجماع على أن ذلك واجب على الكفاية، وإذا كان كذلك كان المعنى : ليقُمْ بذلك بعضُكم.
وقال الضَّحَّاك : المراد بهذه الآية : أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كاوا يتعلمون من الرسول ﷺ ويعلّمون الناس.
قال القُرْطُبِيُّ :" وقرأ ابنُ الزبير : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم ".
قال ابن الأنباري :" هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن عفان قرأ(٢) : ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم.
فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن ؛ إذْ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين ".
قال المفسرون : الدعوة إلى الخير - أي : إلا الإسلام - والأمر بالمعروف، وهو الترغيب في فعل ما ينبغي، والنهي عن المنكر هو الترغيب في تَرْك ما لا ينبغي، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي : العاملون بهذه الأعمال هم المفلحون الفائزون، وقد تقدم تفسيره.
قال - عليه السلام - :" مَنْ أمَرَ بالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ المُنْكَرِ، كَانَ خَلِيفَةَ اللهِ، وَخلِيفَةَ رَسُولِهِ، وَخَلِيْفَةَ كِتَابِهِ(٣) " وقال - أيضاً - :" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأمُرنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتدْعُنَّهُ فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ ". (٤)
ويجوز أن يكون :" مِنْكُمْ " متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من " أمَّةٌ " إذْ كان يجوز جعله صفةً لها لو تأخر عنها. ويجوز أن تكون " مِنْ " للبيان ؛ لأن المبيَّن - وإن تأخر لفظاً - فهو متقدم رتبة.
ويجوز أن تكون الناقصة، ف " أمةٌ " اسمها، و " يَدْعُونَ " خبرها، و " مِنْكُمْ " متعلق إمَّا بالكون، وإمَّا بمحذوف على الحال من " أمةٌ ".
ويجوز أن يكون " مِنْكُمْ " هو الخبر، و " يَدْعُونَ " صفة ل " أمة "، وفيه بُعد.
وقرأ العامة :" وَلْتَكُنْ " بسكون اللام.
وقرأ الحسن والزهريّ والسلميّ بكسرها(١)، وهو الأصل.
وقوله :﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ من باب ذكر الخاص بعد العام ؛ اعتناء به - كقوله :﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] - ؛ لأن اسم " الْخَيْر " يقع عليهما، بل هما أعظم الخيور.
فصل
قال بعض العلماء :" مِنْ " - هنا - ليست للتبعيض، لوجهين :
الأول : أنه أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كُل الأمة.
الثاني : أنه يجب على كل مكلَّف الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر - إما بيده، أو لسانه، أو بقلبه - فيكون معنى الآية : كونوا أمةً دُعاةً إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
وكلمة :" مِنْ " : إنما هي للتبيين، كقوله :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويقال : لفلان من أولاده جند، وللأمير من غِلْمانه عَسْكَر، والمراد : جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم - فكذا هنا. ثم إذا قلنا بأنه يجب على الكُلِّ، فيسقط بفعل البعض، كقوله تعالى :﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة: ٤١]، وقوله :﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٩] فالأمر عامٌّ، ثم إذا قام به مَنْ يكفي، سقط التكليف عن الباقين والقائلون بالتبعيض اختلفوا على قولين :
أحدهما : أن في القوم مَنْ لا يقدر على الدعوة، والأمر بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر - كالمرضى والعاجزين.
الثاني : أن هذا التكليف مختصّ بالعلماء ؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر مشروطة بالعلم بهم، ونظيره قوله تعالى :﴿الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ [الحج: ٤١] وليس كل الناس يُمَكنون.
وقوله :﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وأيضاً الإجماع على أن ذلك واجب على الكفاية، وإذا كان كذلك كان المعنى : ليقُمْ بذلك بعضُكم.
وقال الضَّحَّاك : المراد بهذه الآية : أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كاوا يتعلمون من الرسول ﷺ ويعلّمون الناس.
قال القُرْطُبِيُّ :" وقرأ ابنُ الزبير : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم ".
قال ابن الأنباري :" هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن عفان قرأ(٢) : ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم.
فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن ؛ إذْ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين ".
فصل
قال المفسرون : الدعوة إلى الخير - أي : إلا الإسلام - والأمر بالمعروف، وهو الترغيب في فعل ما ينبغي، والنهي عن المنكر هو الترغيب في تَرْك ما لا ينبغي، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي : العاملون بهذه الأعمال هم المفلحون الفائزون، وقد تقدم تفسيره.
قال - عليه السلام - :" مَنْ أمَرَ بالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنِ المُنْكَرِ، كَانَ خَلِيفَةَ اللهِ، وَخلِيفَةَ رَسُولِهِ، وَخَلِيْفَةَ كِتَابِهِ(٣) " وقال - أيضاً - :" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأمُرنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتدْعُنَّهُ فَلاَ يُسْتَجَابَ لَكُمْ ". (٤)
١ وبها قرأ أبو حيوة وعيسى بن عمر.
انظر: المحرر الوجيز ١/٤٨٥، والبحر المحيط ٣/٢٣ والدر المصون ٢/١٨١..
٢ نسبها ابن عطية (١/٤٨٦) إلى عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير، ثم قال: "فهذا وإن كان لم يثبته في المصحف ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي..."
وانظر: البحر المحيط ٣/٢٤..
٣ أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/٢١٠٤) والدليمي في "مسند الفردوس" كما في كنز العمال" (٣/٧٥) رقم (٥٥٦٤) عن ثوبان رضي الله عنه مرفوعا..
٤ أخرجه أحمد (٥/٣٩١) والبيهقي (١٠/٩٣) والطحاوي في مشكل الآثار" (٢/٦٢) والبغوي في "تفسيره" (١/٣٩٩- ٢/٧٨) عن حذيفة بن اليمان مرفوعا.
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أبو داود (٢/٥٢٤) كتاب الملاحم ب ١٧ رقم (٤٣٣٦) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٢٩٩- ١٣/٩٢) وله شاهد آخر عن أبي هريرة أخرجه البزار (٣٣٠٧) والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٧/٢٦٦).
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وفيه حبان بن علي وهو متروك وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها..
انظر: المحرر الوجيز ١/٤٨٥، والبحر المحيط ٣/٢٣ والدر المصون ٢/١٨١..
٢ نسبها ابن عطية (١/٤٨٦) إلى عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير، ثم قال: "فهذا وإن كان لم يثبته في المصحف ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي..."
وانظر: البحر المحيط ٣/٢٤..
٣ أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/٢١٠٤) والدليمي في "مسند الفردوس" كما في كنز العمال" (٣/٧٥) رقم (٥٥٦٤) عن ثوبان رضي الله عنه مرفوعا..
٤ أخرجه أحمد (٥/٣٩١) والبيهقي (١٠/٩٣) والطحاوي في مشكل الآثار" (٢/٦٢) والبغوي في "تفسيره" (١/٣٩٩- ٢/٧٨) عن حذيفة بن اليمان مرفوعا.
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه أبو داود (٢/٥٢٤) كتاب الملاحم ب ١٧ رقم (٤٣٣٦) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٢٩٩- ١٣/٩٢) وله شاهد آخر عن أبي هريرة أخرجه البزار (٣٣٠٧) والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٧/٢٦٦).
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وفيه حبان بن علي وهو متروك وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها..