بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ فهذه لام الأمر كقوله :﴿قُلْ إنما أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لقاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] يعني لتكن منكم أمة.
قال الكلبي : يعني جماعة. وقال مقاتل : يعني عصبة وقال الزجاج ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير و﴿من﴾ هاهنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس، وهي مؤكدة كقوله تعالى :﴿ذلك وَمَن يُعَظِّمْ حرمات الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور﴾
[الحج: ٣٠] وقوله :﴿يَدْعُونَ إِلَى الخير﴾ يعني إلى الإسلام. ويقال : إلى جميع الخيرات ﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ قال الكلبي : يعني بإتباع محمد ﷺ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ يعني الجبت والطاغوت. ويقال :﴿المنكر﴾ يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة. ويقال : ما لا يصلح في العقل.
وروي عن سفيان الثوري أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء. ويقال : إنما أمر بعض الناس بقوله، ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم. ويقال : إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام :« إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ »
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : بحسب امرئ إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره. وروي عن بعض الصحابة أنه قال : إن الرجل إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات : اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه.
ثم قال تعالى :﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم الناجون. ويقال : فازوا بالنعيم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى