اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
في ناصب " يَوْمَ " أوجه :
أحدها : أنه الاستقرار الذي تضمنه " لَهُمْ " والتقدير : وأولئك استقر لهم عذاب يوم تبيضُّ وجوه.
وقيل : إن العامل فيه مضمر، تدل عليه الجملة السابقة، والتقدير : يُعَذَّبُونَ يوم تبيض وجوه.
وقيل : إن العاملَ فيه " عَظِيمٌ " وضُعِّفَ هذا بأنه يلزم تقييد عِظَمِهِ بهذا اليوم.
وهذا التضعيف ضعيف ؛ لأنه إذا عظم في هذا اليوم ففي غيره أوْلَى.
قال شهابُ الدين(١) :" وهذا غير لازم "، قال :" وأيضاً فإنه مسكوت عنه فيما عدا هذا اليوم ".
وقيل : إن العامل " عَذَابٌ ". وهذا ممتنع ؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل بعد وصفه.
وقيل : إنه منصوب بإضمار " اذكر ".
وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو نُهَيك، وأبو رُزَيْن العقيليّ :" تِبْيَضُّ " و " تِسْوَدُّ " - بكسر التاء(٢) - وهي لغة تميم.
وقرأ الحسن والزهري وابن مُحَيْصِن، وأبُو الجَوْزَاءِ : تِبياضّ وتسوادّ - بألف فيهما(٣) - وهي أبلغ ؛ فإن البياض أدلُّ على اتصاف الشيء بالبياض من ابيضَّ، ويجوز كسر حرف المضارعة - أيضاً - مع الألف، إلا أنه لم ينقل قراءةً لأحدٍ.

فصل


نظير هذه الآية قوله تعالى :﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، وقوله :﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٥]، وإذا عرفت هذا، ففي هذا البياض والسواد وجهان :
الأول : قال أبو مسلم : إن البياض عبارة عن الاستبشار، و السواد عبارة عن الغم، وهذا مجاز مستعمل قال تعالى :﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ [النحل: ٥٨]. ويقال : لفلان عندي يَدٌ بيضاء.
وقال بعضهم في الشيب :[ الخفيف ]
يَا بَيَاضَ الْقُرُونِ سَوَّدْتَ وَجْهِيعِنْدَ بِيضِ الْوُجُوهِ سُودِ الْقُرُون
فَلَعَمْرِي لأخْفِيَنَّكَ جَهْدِيعَنْ عَيَانِي، وعَنْ عَيَانِ الْعُيُونِ
بِسَوَادٍ فِيهِ بَيَاضٌ لِوَجْهِيوَسَوَادٌ لِوَجْهِكَ المَلْعُونِ(٤)
وتقول العرب - لمن نال بغيته، وفاز بمطلوبه - : ابيضَّ وجهه، ومعناه : الاستبشار والتهلل، ويقال - لمن وصل إليه مكروه - : ارْبَدَّ وجهه، واغبرَّ لونُه، وتغيرت صورته، فعلى هذا معنى الآية : إن المؤمن مستبشر بحسناته، وبنعيم الله، والكافر على ضد ذلك.
الثاني : أن البياض والسواد يحصلان حقيقة ؛ لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يصرفه، فوجب المصير إليه، ولأبي مسلم أن يقول : بل معنا دليل يصرفه، وهو قوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-٤١]، فجعل الغَبَرةَ والقَتَرَة في مقابلة الضحك والاستبشار فلو لم يكن المراد ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً له.

فصل


احتجوا بهذه الآية على أن المكلَّف إما مؤمن، وإما كافر، وليس - هنا - قسم ثالث كما قاله المعتزلة - فلو كان ثَمَّ ثالث لذكره، قالوا : ويؤيده قوله تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨-٤٢].
وأجاب القاضي : بأن ترك القسم الثالث لا يدل على عدمه ؛ لأنه تعالى قال :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، فذكرهما منكرين، وذلك لا يفيد العموم، وأيضاً فالمذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد إيمانهم، ومعلوم أن الكافر الأصليَّ من أهل النار، مع أنه لم يدخل في هذا التقسيم، فكذلك الفساق. وأجيب بوجهين :
الأول : أن المراد منه كل مَنْ أسلم وقت استخراج الذريَّة من صُلْب آدم، رواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي ﷺ فيدخل الكل فيه.
الثاني : أنه قال :﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فجعل موجب العذاب هو الكفر، سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافراً أصليًّا.
قال الزمخشري : هم المنافقون، آمنوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم.
وقال عكرمة : هم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد ﷺ قبل أن يُبْعَث، فلما بُعِثَ كفروا به.
قوله :﴿أكَفَرْتُمْ﴾ هذه الجملة في مَحَلِّ نصب بقول مُضْمَرٍ، وذلك القول المضمر - مع فاء مضمرة - أيضاً - هو جواب " أما "، وحذف الفاء مع القول مطرد، وذلك أن القول يُضْمَر كثيراً، كقوله تعالى :
﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤].
وقوله :﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ﴾ [الزمر: ٣]، وقوله :﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وأما حذفها دون إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورة.
كقوله :[ الطويل ]
فأمَّا الْقِتَالُ لا قَتالَ لَديْكُمُوَلِكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ الْمَوَاكِبِ(٥)
أي : فلا قتال.
وقال صاحب " أسرار التنزيل " : إنّ النحاة اعترض عليهم - في قولهم : لما حذف يقال : حُذِفت الفاء ؛ بقوله تعالى :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١]، فحذف يقال، ولم يحذف الفاء، فلما بطل هذا تعيَّن أن يكون الجواب في قوله :﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فوقع ذلك جواباً له، ولقوله :﴿أَكَفَرْتُم﴾ ومن نظم العرب - إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له - أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً، ثم يجعلون له جواباً واحداً، كما في قوله :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، فقوله :﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ جواب للشرطين معاً، وليس ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ جواب " إما " بل الفاء عاطفة على مقدَّر، والتقدير : أأهملتكم، فلم أتل عليكم آياتي ؟
قال أبو حيان : وهو كلام أديب لا كلام نحويّ، أما قوله : قد اعترض على النحاة، فيكفي في بُطْلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة ؛ لأنه ما من نحويٍّ إلا خرَّج الآيةَ على إضمار : فيُقال لهم : أكفرتم، وقالوا : هذا هو فَحْوَى الخطابِ، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدَّر لا يستغني المعنى عنه، فالقول بخلافه مخالف للإجماع، فلا التفات إليه. وأما ما اعترض به من قوله :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنهم قدروه : فيقال لهم : أفلم تكن آياتي، فحذف فيقال ولم تحذف الفاء، فدل على بطلان هذا التقدير - فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في " أفَلَمْ " ليست فاء " فيقال " التي هي جواب " أما " - حتى يقال : حذف " يقال " وبقيت الفاء، بل الفاء التي هي جواب " أما " و " يقال " بعدها - محذوف، وفاء " أفلم " يحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون زائدة.
وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر :[ الطويل ]
يَمُوتُ أناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتَاهُمُوَيَحْدُثُ نَاسٌ، والصَّغِيرُ فِيَكْبُرُ(٦)
أي : صغير يكبر، وقول الآخر :[ الكامل ]
لَمَّا اتَّقَى بِيَدٍ عَظِيمٍ جِرْمُهَافَتَرَكْتُ ضَاحِيَ جِلْدِهَا يَتَذَبْذَبُ(٧)
أي : تركت، وقول زُهير :[ الطويل ]
أرَانِي إذَا ما بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًىفَثُمَّ إذَا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غَادِيَا(٨)
يريد ثم إذا.
وقال الأخفش :" وزعموا أنهم يقولون : أخوك فوجد، يريدون : أخوك وجد ".
والوجه الثاني : أن تكون الفاء تفسيرية، والتقدير : فيقال لهم ما يسوؤهم، " أفلم " تكن آياتي، ثم اعتني بحرف الاستفهام، فتقدمت على الفاء التفسيرية، كما تتقدم على الفاء التي للتعقيب في قوله :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾
[يوسف: ١٠٩] وهذا على رَأي من يثبت أن الفاء تفسيرية، نحو توضأ زيد فغسل وجهه ويديه. . إلى آخر أفعال الوضوء، فالفاء - هنا - ليت مرتِّبة، وإنما هي مفسِّرة للوضوء، كذلك تكون في ﴿أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ مفسرة للقول الذي يسوؤهم.
وقوله : فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب :" تذوقوا "، أي : تعيَّن بطلان حذف ما قدَّره النحويون، من قوله :" فيقال لهم " ؛ لوجود هذه الفاء في " أفلم تكن "، وقد بيَّنَّا أن ذلك التقدير لم يبطل ؛ وأنه سواء في الآيتين، وإذا كان كذلك فجواب :" أما " هو فيقال - في الموضعين - ومعنى الكلام عليه، وأما تقديره : أأهملتكم فلم تكن آياتي تتلى عليكم ؟ فهذه نزعة زمخشرية، وذلك أن الزمخشريَّ يقدِّر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فِعْلاً يصح عطف ما بعدها عليه، ولا يعتقد أن الفاء والواو، و " ثم " إذا دخلت عليها الهمزة - أصلهن التقديم على الهمزة، لكن اعتني بالاستفهام، فقدم على حرف العطف - كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين - وقد رجع الزمخشريّ إلى مذهب الجماعة في ذلك، وبطلان قول الأول مذكور في النحو وقد تقدم - في هذا الكتاب - حكاية مذهب الجماعة في ذلك، وعلى تقدير قول هذا الرجل - أأهملتكم فلم تكن آياتي، لا بدّ من إضمار القول، وتقديره : فيقال : أاهملتكم ؛ لأن هذا المقدَّر هو خبر المبتدأ، والفاء جواب " أما "، وهو الذي يدل عليه الكلام، ويقتضيه ضرورة.
وقول هذا الرجل : فوقع ذلك جواباً له ولقوله :" أكفرتم " يعني : أن " فذوقوا العذاب " جواب ل " أما " ولقوله :" أكفرتم " والاستفهام - هنا - لا جواب له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم.
وأما قول هذا الرجل : ومن نظم العرب إلى آخره، فليس كلام العرب على ما زعم، بل يُجْعَل لكُلٍّ جوابٌ، إن لا يكن ظاهراً فمقدَّر، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً.
وأما دعواه ذلك في قوله تعالى :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] وزعمه أن قوله تعالى :﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. جواب للشرطين فقول رُوي عن الكسائي، وزعم بعضُ الناس أن جواب الشرط الأول محذوف، تقديره : فاتبعُوه، والصحيح أن الشرط الثاني وجوابه جوال الشرط الأول وتقدمت هذه الأقوال عند قوله تعالى :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]. انتهى.
والهمزة في " أكَفَرْتُمْ " للإنكار عليهم، والتوبيخ لهم، والتعجُّب من حالهم.
وفي قوله :" أكَفَرْتُمْ " نوع من الالتفات، وهو المُسَمَّى عند علماء البيان بتلوين الخطاب، وذلك أن قوله :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ في حكم الغيبة، وقوله - بعد ذلك " أكَفَرْتُمْ " خطاب مواجهة.
قوله :﴿فَذُوقُوا﴾ من باب الاستعارة، جعل العذاب شيئاً يُدْرَك بحاسَّةِ الأكْل، وا
١ ينظر: الدر المصون ٢/١٨١..
٢ انظر: الشواذ ٢٢، والمحرر الوجيز ١/٤٨٦٧، والبحر المحيط ٣/٢٥، والدر المصون ٢/١٨١..
٣ انظر: السابق..
٤ الأبيات لابن الرومي: ينظر ديوانه ٦/٢٤٨٣ ونهاية الأرب ٢/٣٠ وأمالي القالي ١/١٤٤..
٥ تقدم برقم ٣٢٩..
٦ ينظر في خزانة الأدب ١١/٦١، ٤٩١ والأشباه والنظائر ٢/١٦٣، وتذكرة النحاة ص ٤٦، والدرر ٦/٨٩، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٥٣، وهمع الهوامع ٢/١٣١، والدر المصون ٢/١٨٢ وشرح أبيات المغني ٣/٣٧ وشرح الكافية الشافية ٣/١٢٥٧..
٧ ينظر سر الصناعة ١/٢٧٠ والمغني ١٨٠ وشرح أبيات المغني ٤/٥٤ والبحر ٣/٢٦ وشفاء العليل ٢/٧٨٢ والدر المنثور ٣/٢٣ والدر المصون ٢/١٨٢..
٨ ينظر البيت في خزانة الأدب ٨/٤٩٠، ٤٩٢، وشرح شواهد المغني ١/٢٨٢، ٢٨٤، والأشباه والنظائر ١/١١١، والدرر ٦/٨٩، ورصف المباني ص ٢٧٥ ومغني اللبيب ١/١١٧، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٥٤، وشرح المفصل ٨/٩٦ وسر صناعة الإعراب ١/٢٦٤، وشرح شواهد المغني ١/٣٥٨ وهمع الهوامع ٢/١٣١، والدر المصون ٢/١٨٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى