البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الابيضاض والاسوداد معروفان، ويقال : بيض فهو أبيض.
وسود : فهو أسود، ويقال : هما أصل الألوان.
ذاق الشيء استطعمه، وأصله بالفم ثم استعير لكل ما يحس ويدرك على وجه التشبيه بالذي يعرف عند الطعم.
تقول العرب : قد ذقتُ من إكرام فلان ما يرغبني في قصده.
ويقولون : ذقِ الفرقَ واعرف ما عنده.
وقال تميم بن مقبل :
وقال آخر :
يعنون بالذوق العلم، إما بالحاسة، وإما بغيرها.
﴿يوم تبيضُّ وجوه وتسودّ وجوه﴾ الجمهور على أن ابيضاض الوجوه واسودادها على حقيقة اللون.
والبياض من النور، والسواد من الظلمة.
قال الزمخشري : فمن كان من أهل نور الدين وُسمَ ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه.
ومن كان من أهل ظلمة الباطل وُسمَ بسواد اللون وكسوفه وكمده واسودت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب.
انتهى كلامه.
وقال ابن عطية : وبياض الوجوه عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله قاله الزجاج وغيره.
ويحتمل عندي أن تكون من آثار الوضوء كما قال ﷺ :« أأنتم الغر المحجلون » من آثار الوضوء.
وأما سوادُ الوجوه فقال المفسرون : هو عبارة عن ارتدادها وإظلامها بغمم العذاب.
ويحتملُ أنْ يكونَ ذلك تسويداً ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم، على نحو حشرهم زرقاً، وهذه أقبح طلعة.
ومن ذلك قول بشار :
انتهى كلامه.
وقال قوم : البياض والسواد مثلان عبر بهما عن السرور والحزن لقوله تعالى :﴿ظل وجهه مسوداً﴾ وكقول العرب لمن نال أمنيته : ابيض وجهه.
ولمن جاء خائباً : جاء مسودّ الوجه.
وقال أبو طالب :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** وقال امرؤ القيس :
وأوجههم عند المشاهد غران *** وقال زهير :
وأسند الابيضاضَ والاسوداد إلى الوجوه وإنْ كان جميع الجسد أبيض أو أسود، لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه، وهو أشرف أعضائه.
والمراد : وجوه المؤمنين ووجوه الكافرين قاله أبيُّ بن كعب.
وقيل : وجوه المهاجرين والأنصار، ووجوه بني قريظة والنضير.
وقيل : وجوه السنة، ووجوه أهل البدعة.
وقال عطاء : وجوه المخلصين، ووجوه المنافقين.
وقيل : وجوه المؤمنين، ووجوه أهل الكتاب والمنافقين.
وقيل : وجوه المجاهدين، ووجوه الفرار من الزحف.
وقيل : تبيضّ بالقناعة، وتسودّ بالطمع.
وقال الكلبي : تسفر وجوه من قدر على السجود إذا دعوا إليه، وتسودّ وجوه مَنْ لم يقدر.
واختلفوا في وقت ابيضاض الوجوه واسودادها، فقيل : وقت البعث من القبور.
وقيل : وقت قراءة الصحف.
وقيل : وقت رجحان الحسنات والسيئات في الميزان.
وقيل : عند قوله :﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾
وقيل : وقت أنْ يُؤمَرَ كل فريق بأن يتبع معبوده والعامل في ﴿يوم تبيض﴾ ما يتعلق به.
ولهم عذاب عظيم أيْ وعذابٌ عظيم كائن لهم يوم تبيض وجوه.
وقال الحوفي : العامل، فيه محذوف تدل عليه الجملة السابقة، أي : يعذبون يوم تبيض وجوه.
وقال الزمخشري : بإضمار اذكروا، أو بالظرف وهو لهم.
وقال قوم : العامل عظيم، وضعف من جهة المعنى لأنه يقتضي أنّ عظمَ العذاب في ذلك اليوم، ولا يجوز أنْ يعمل فيه عذاب، لأنه مصدر قد وصف.
وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو رزين العقيلي، وأبو نهيك : تبيض وتسودّ بكسر التاء فيهما، وهي لغة تميم : وقرأ الحسن، والزهري، وابن محيصن، وأبو الجوزاء : تبياض وتسواد بألف فيهما.
ويجوز كسر التاء في تبياض وتسواد، ولم ينقل أنه قرئ بذلك.
﴿فأما الذين اسودّت وجوههم، أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ هذا تفصيل لأحكام من تبيض وجوههم وتسودّ.
وابتدىء بالذين اسودّت للاهتمام بالتحذير من حالهم، ولمجاورة قوله : وتسودّ وجوه، وللابتداء بالمؤمنين والاختتام بحكمهم.
فيكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع، ويشرح الصدر.
وقد تقدّم الكلام على أما في أول البقرة وأنها حرف شرط يقتضي جواباً، ولذلك دخلت الفاء في خبر المبتدأ بعدها، والخبر هنا محذوف للعلم به.
والتقدير : فيقال لهم : أكفرتم ؟ كما حذف القول في مواضع كثيرة كقوله :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ أي يقولون : سلام عليكم.
ولمّا حذف الخبر حذفت الفاء، وإنْ كان حذفُها في غير هذا لا يكون إلا في الشعر نحو قوله :
يريد فلا قتال، وقال الشيخ كمال الدين عبد الواحد بن عبد الله بن خلف الأنصاري في كتابه الموسوم بنهاية التأميل في أسرار التنزيل : قد اعترض على النحاة في قولهم : لما حذف.
يقال : حذفت الفاء بقوله تعالى :﴿وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ تقديره فيقال لهم : أفلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف فيقال، ولم تحذف الفاء.
فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، فوقع ذلك جواباً له.
ولقوله : أكفرتم، ومن نظم العرب : إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً ثم يجعلون لهما جواباً واحداً، كما في قوله تعالى :﴿فإمّا يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ فقوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون جواب للشرطين، وليس أفلم جواب أمّا، بل الفاء عاطفة على مقدّر والتقدير : أأهملتكم، فلم أتل عليكم آياتي.
انتهى ما نقل عن هذا الرجل وهو كلام أديب لا كلام نحوي.
أمّا قوله : قد اعترض على النحاة فيكفي في بطلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة، لأنه ما من نحوي إلا خرّج الآية على إضمار فيقال لهم : أكفرتم، وقالوا : هذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدّر لا يستغني المعنى عنه، فالقول بخلافه مخالف للإجماع، فلا التفات إليه.
وأمّا ما اعترض به من قوله :﴿وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي﴾ وأنهم قدروه فيقال لهم : أفلم تكن آياتي، فحذف فيقال : ولم تحذف الفاء، فدل على بطلان هذا التقدير فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في أفلم ليست فاء، فيقال التي هي جواب أمّا حتى يقال حذف، فيقال : وبقيت الفاء، بل الفاء التي هي جواب أمّا، ويقال بعدها محذوف.
وفاء أفلم تحتمل وجهين، أحدهما أن تكون زائدة.
وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قولَ الشاعر :
يريد : يكبر وقول الآخر :
يريد : تركت.
وقال زهير :
يريد ثم.
وقول الأخفش : وزعموا أنهم يقولون أخوك، فوجد يريدون أخوك وجد.
والوجه الثاني : أن تكون الفاء تفسيرية، وتقدم الكلام فيقال لهم : ما يسوؤهم، فإلم تكن آياتي، ثم اعتنى بهمزة الاستفهام فتقدمت على الفاء التفسيرية، كما تقدم على الفاء التي للتعقيب في نحو قوله :﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ وهذا على مذهب من يثبت أن الفاء تكون تفسيرية نحو : توضأ زيد فغسل وجهه ويديه إلى آخر أفعال الوضوء.
فالفاء هنا ليست مرتبة، وإنما هي مفسرة للوضوء.
كذلك تكون في ﴿أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ مفسرة للقول الذي يسوؤهم وقول هذا الرجل.
فلما بطل هذا يعني أن يكون الجواب فذوقوا أي تعين بطلان حذف ما قدره النحويون من قوله، فيقال لهم لوجود هذا الفاء في أفلم تكن، وقد بينا أن ذلك التقدير لم يبطل، وأنه سواء في الآيتين.
وإذا كان كذلك فجواب أمّا هو، فيقال في الموضعين، ومعنى الكلام عليه.
وأمّا تقديره : أأهملتكم، فلم تكن آياتي، فهذه نزعة زمخشرية، وذلك أن الزمخشري يقدر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلاً يصح عطف ما بعدها عليه، ولا يعتقد أن الفاء والواو وثم إذا دخلت عليها الهمزة أصلهن التقديم على الهمزة، لكنْ اعتنى بالاستفهام، فقدم على حروف العطف كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين.
وقد رجع الزمخشري أخيراً إلى مذهب الجماعة في ذلك، وبطلان قوله الأول مذكور في النحو.
وقد تقدم في هذا الكتاب حكاية مذهبه في ذلك.
وعلى تقدير قول هذا الرجل : أأهملتكم، فلا بدّ من إضمار القول وتقديره، فيقال : أأهملتكم لأن هذا المقدر هو خبر المبتدأ، والفاء جواب أما.
وهو الذي يدل عليه الكلام، ويقتضيه ضرورة.
وقول هذا الرّجل : فوقع ذلك جواباً له، ولقوله : أكفرتم، يعني أنْ فذوقوا العذاب جواب لأمّا، ولقوله : أكفرتم ؟ والاستفهام هنا لا جواب له، إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم.
وأمّا قول هذا الرّجل : ومن نظم العرب إلى آخره، فليس كلام العرب على ما زعم، بل يجعل لكل جواب أنَّ لا يكن ظاهراً فمقدر، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً، وأما دعواه ذلك في قوله تعالى :﴿فإما يأتينكم﴾ الآية.
وزعمه أن قوله تعالى :﴿فلا خوف عليهم﴾ جواب للشرطين.
فقولٌ روي عن الكسائي.
وذهب بعض الناس إلى أن جواب الشرط الأول محذوف تقديره : فاتبعوه.
والصحيح أن الشرط الثاني وجوابه هو جواب الشرط الأول.
وتقدمت هذه الأقوال الثلاثة عند الكلام على قوله :﴿فإما يأتينكم﴾ الآية.
والهمزة في ﴿أكفرتم﴾ للتقرير والتوبيخ والتعجيب من حالهم.
والخطاب في أكفرتم إلى آخره يتفرع على الاختلاف في الذين اسودت وجوههم، فإنْ كانوا الكفار فالتقدير : بعد أن آمنتم حين أخذ عليكم الميثاق وأنتم في صلب آدم كالذرّّ، وإن كانوا أهل البدع فتكون البدعة المخرجة عن الإيمان.
وإن كانوا قريظة والنضير فيكون إيمانهم به قبل بعثه، وكفرهم به بعده، أو إيمانهم بالتوراة وما جاء فيها من نبوته ووصفه والأمر باتباعه، وإن كانوا المنافقين فالمراد بالكفر كفرهم بقلوبهم، وبالإيمان الإيمان بألسنتهم.
وإن كانوا الحرورية أو المرتدين فقد كان حصل منهم الإيمان حقيقة وفي قوله :﴿أكفرتم﴾.
قالوا : تلوين الخطاب وهو أحد أنواع الالتفات، لأن قوله : فأما الذين اسودت غيبة، وأكفرتم مواجهة بما كنتم، الباء سببية وما مصدرية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قالوا وتضمنت هذه الآيات الطباق : في تبيضّ وتسودّ، وفي اسودّت وابيضّت، وفي أكفرتم بعد إيمانكم، وفي بالحق وظلماً.
والتفصيل : في فأمّا وأمّا.
والتجنيس : المماثل في أكفرتم وتكفرون.
وتأكيد المظهر بالمضمر في : ففي رحمة الله هم فيها خالدون.
والتكرار : في لفظ الله.
ومحسنه : أنه في جمل متغايرة المعنى، والمعروف في لسان العرب إذا اختلفت الجمل أعادت المظهر لا المضمر، لأن في ذكره دلالة على تفخيم الأمر وتعظيمه، وليس ذلك نظير :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ***
لاتحاد الجملة.
لكنه قد يؤتى في الجملة الواحدة بالمظهر قصداً للتفخيم.
والإشارة في قوله : تلك، وتلوين الخطاب في فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم، والتشبيه والتمثيل في تبيض وتسودّ، إذا كان ذلك عبارة عن الطلاقة والكآبة والحذف في مواضع.
وسود : فهو أسود، ويقال : هما أصل الألوان.
ذاق الشيء استطعمه، وأصله بالفم ثم استعير لكل ما يحس ويدرك على وجه التشبيه بالذي يعرف عند الطعم.
تقول العرب : قد ذقتُ من إكرام فلان ما يرغبني في قصده.
ويقولون : ذقِ الفرقَ واعرف ما عنده.
وقال تميم بن مقبل :
| أو كاهتزاز رديني تذاوقه | أيدي التجار فزادوا متنه لينا |
| وإن الله ذاق حلوم قيس | فلما راء حفتها قلاها |
﴿يوم تبيضُّ وجوه وتسودّ وجوه﴾ الجمهور على أن ابيضاض الوجوه واسودادها على حقيقة اللون.
والبياض من النور، والسواد من الظلمة.
قال الزمخشري : فمن كان من أهل نور الدين وُسمَ ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه.
ومن كان من أهل ظلمة الباطل وُسمَ بسواد اللون وكسوفه وكمده واسودت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب.
انتهى كلامه.
وقال ابن عطية : وبياض الوجوه عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله قاله الزجاج وغيره.
ويحتمل عندي أن تكون من آثار الوضوء كما قال ﷺ :« أأنتم الغر المحجلون » من آثار الوضوء.
وأما سوادُ الوجوه فقال المفسرون : هو عبارة عن ارتدادها وإظلامها بغمم العذاب.
ويحتملُ أنْ يكونَ ذلك تسويداً ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم، على نحو حشرهم زرقاً، وهذه أقبح طلعة.
ومن ذلك قول بشار :
| وللبخيل على أمواله علل | زرق العيون عليها أوجه سود |
وقال قوم : البياض والسواد مثلان عبر بهما عن السرور والحزن لقوله تعالى :﴿ظل وجهه مسوداً﴾ وكقول العرب لمن نال أمنيته : ابيض وجهه.
ولمن جاء خائباً : جاء مسودّ الوجه.
وقال أبو طالب :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** وقال امرؤ القيس :
وأوجههم عند المشاهد غران *** وقال زهير :
| وأبيض فياض يداه غمامة | وبدأ بالبياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى. |
والمراد : وجوه المؤمنين ووجوه الكافرين قاله أبيُّ بن كعب.
وقيل : وجوه المهاجرين والأنصار، ووجوه بني قريظة والنضير.
وقيل : وجوه السنة، ووجوه أهل البدعة.
وقال عطاء : وجوه المخلصين، ووجوه المنافقين.
وقيل : وجوه المؤمنين، ووجوه أهل الكتاب والمنافقين.
وقيل : وجوه المجاهدين، ووجوه الفرار من الزحف.
وقيل : تبيضّ بالقناعة، وتسودّ بالطمع.
وقال الكلبي : تسفر وجوه من قدر على السجود إذا دعوا إليه، وتسودّ وجوه مَنْ لم يقدر.
واختلفوا في وقت ابيضاض الوجوه واسودادها، فقيل : وقت البعث من القبور.
وقيل : وقت قراءة الصحف.
وقيل : وقت رجحان الحسنات والسيئات في الميزان.
وقيل : عند قوله :﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾
وقيل : وقت أنْ يُؤمَرَ كل فريق بأن يتبع معبوده والعامل في ﴿يوم تبيض﴾ ما يتعلق به.
ولهم عذاب عظيم أيْ وعذابٌ عظيم كائن لهم يوم تبيض وجوه.
وقال الحوفي : العامل، فيه محذوف تدل عليه الجملة السابقة، أي : يعذبون يوم تبيض وجوه.
وقال الزمخشري : بإضمار اذكروا، أو بالظرف وهو لهم.
وقال قوم : العامل عظيم، وضعف من جهة المعنى لأنه يقتضي أنّ عظمَ العذاب في ذلك اليوم، ولا يجوز أنْ يعمل فيه عذاب، لأنه مصدر قد وصف.
وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو رزين العقيلي، وأبو نهيك : تبيض وتسودّ بكسر التاء فيهما، وهي لغة تميم : وقرأ الحسن، والزهري، وابن محيصن، وأبو الجوزاء : تبياض وتسواد بألف فيهما.
ويجوز كسر التاء في تبياض وتسواد، ولم ينقل أنه قرئ بذلك.
﴿فأما الذين اسودّت وجوههم، أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ هذا تفصيل لأحكام من تبيض وجوههم وتسودّ.
وابتدىء بالذين اسودّت للاهتمام بالتحذير من حالهم، ولمجاورة قوله : وتسودّ وجوه، وللابتداء بالمؤمنين والاختتام بحكمهم.
فيكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع، ويشرح الصدر.
وقد تقدّم الكلام على أما في أول البقرة وأنها حرف شرط يقتضي جواباً، ولذلك دخلت الفاء في خبر المبتدأ بعدها، والخبر هنا محذوف للعلم به.
والتقدير : فيقال لهم : أكفرتم ؟ كما حذف القول في مواضع كثيرة كقوله :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ أي يقولون : سلام عليكم.
ولمّا حذف الخبر حذفت الفاء، وإنْ كان حذفُها في غير هذا لا يكون إلا في الشعر نحو قوله :
| فأمّا القتال لا قتال لديكم | ولكنّ سيرا في عرض المواكب |
يقال : حذفت الفاء بقوله تعالى :﴿وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ تقديره فيقال لهم : أفلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف فيقال، ولم تحذف الفاء.
فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، فوقع ذلك جواباً له.
ولقوله : أكفرتم، ومن نظم العرب : إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً ثم يجعلون لهما جواباً واحداً، كما في قوله تعالى :﴿فإمّا يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ فقوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون جواب للشرطين، وليس أفلم جواب أمّا، بل الفاء عاطفة على مقدّر والتقدير : أأهملتكم، فلم أتل عليكم آياتي.
انتهى ما نقل عن هذا الرجل وهو كلام أديب لا كلام نحوي.
أمّا قوله : قد اعترض على النحاة فيكفي في بطلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة، لأنه ما من نحوي إلا خرّج الآية على إضمار فيقال لهم : أكفرتم، وقالوا : هذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدّر لا يستغني المعنى عنه، فالقول بخلافه مخالف للإجماع، فلا التفات إليه.
وأمّا ما اعترض به من قوله :﴿وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي﴾ وأنهم قدروه فيقال لهم : أفلم تكن آياتي، فحذف فيقال : ولم تحذف الفاء، فدل على بطلان هذا التقدير فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في أفلم ليست فاء، فيقال التي هي جواب أمّا حتى يقال حذف، فيقال : وبقيت الفاء، بل الفاء التي هي جواب أمّا، ويقال بعدها محذوف.
وفاء أفلم تحتمل وجهين، أحدهما أن تكون زائدة.
وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قولَ الشاعر :
| يموت أناس أو يشيب فتاهم | ويحدث ناس والصغير فيكبر |
| لما اتقى بيد عظيم جرمها | فتركت ضاحي جلدها بتذبذب |
وقال زهير :
| أراني إذا ما بت بتّ على هوى | فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا |
وقول الأخفش : وزعموا أنهم يقولون أخوك، فوجد يريدون أخوك وجد.
والوجه الثاني : أن تكون الفاء تفسيرية، وتقدم الكلام فيقال لهم : ما يسوؤهم، فإلم تكن آياتي، ثم اعتنى بهمزة الاستفهام فتقدمت على الفاء التفسيرية، كما تقدم على الفاء التي للتعقيب في نحو قوله :﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ وهذا على مذهب من يثبت أن الفاء تكون تفسيرية نحو : توضأ زيد فغسل وجهه ويديه إلى آخر أفعال الوضوء.
فالفاء هنا ليست مرتبة، وإنما هي مفسرة للوضوء.
كذلك تكون في ﴿أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ مفسرة للقول الذي يسوؤهم وقول هذا الرجل.
فلما بطل هذا يعني أن يكون الجواب فذوقوا أي تعين بطلان حذف ما قدره النحويون من قوله، فيقال لهم لوجود هذا الفاء في أفلم تكن، وقد بينا أن ذلك التقدير لم يبطل، وأنه سواء في الآيتين.
وإذا كان كذلك فجواب أمّا هو، فيقال في الموضعين، ومعنى الكلام عليه.
وأمّا تقديره : أأهملتكم، فلم تكن آياتي، فهذه نزعة زمخشرية، وذلك أن الزمخشري يقدر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلاً يصح عطف ما بعدها عليه، ولا يعتقد أن الفاء والواو وثم إذا دخلت عليها الهمزة أصلهن التقديم على الهمزة، لكنْ اعتنى بالاستفهام، فقدم على حروف العطف كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين.
وقد رجع الزمخشري أخيراً إلى مذهب الجماعة في ذلك، وبطلان قوله الأول مذكور في النحو.
وقد تقدم في هذا الكتاب حكاية مذهبه في ذلك.
وعلى تقدير قول هذا الرجل : أأهملتكم، فلا بدّ من إضمار القول وتقديره، فيقال : أأهملتكم لأن هذا المقدر هو خبر المبتدأ، والفاء جواب أما.
وهو الذي يدل عليه الكلام، ويقتضيه ضرورة.
وقول هذا الرّجل : فوقع ذلك جواباً له، ولقوله : أكفرتم، يعني أنْ فذوقوا العذاب جواب لأمّا، ولقوله : أكفرتم ؟ والاستفهام هنا لا جواب له، إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم.
وأمّا قول هذا الرّجل : ومن نظم العرب إلى آخره، فليس كلام العرب على ما زعم، بل يجعل لكل جواب أنَّ لا يكن ظاهراً فمقدر، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً، وأما دعواه ذلك في قوله تعالى :﴿فإما يأتينكم﴾ الآية.
وزعمه أن قوله تعالى :﴿فلا خوف عليهم﴾ جواب للشرطين.
فقولٌ روي عن الكسائي.
وذهب بعض الناس إلى أن جواب الشرط الأول محذوف تقديره : فاتبعوه.
والصحيح أن الشرط الثاني وجوابه هو جواب الشرط الأول.
وتقدمت هذه الأقوال الثلاثة عند الكلام على قوله :﴿فإما يأتينكم﴾ الآية.
والهمزة في ﴿أكفرتم﴾ للتقرير والتوبيخ والتعجيب من حالهم.
والخطاب في أكفرتم إلى آخره يتفرع على الاختلاف في الذين اسودت وجوههم، فإنْ كانوا الكفار فالتقدير : بعد أن آمنتم حين أخذ عليكم الميثاق وأنتم في صلب آدم كالذرّّ، وإن كانوا أهل البدع فتكون البدعة المخرجة عن الإيمان.
وإن كانوا قريظة والنضير فيكون إيمانهم به قبل بعثه، وكفرهم به بعده، أو إيمانهم بالتوراة وما جاء فيها من نبوته ووصفه والأمر باتباعه، وإن كانوا المنافقين فالمراد بالكفر كفرهم بقلوبهم، وبالإيمان الإيمان بألسنتهم.
وإن كانوا الحرورية أو المرتدين فقد كان حصل منهم الإيمان حقيقة وفي قوله :﴿أكفرتم﴾.
قالوا : تلوين الخطاب وهو أحد أنواع الالتفات، لأن قوله : فأما الذين اسودت غيبة، وأكفرتم مواجهة بما كنتم، الباء سببية وما مصدرية.
والتفصيل : في فأمّا وأمّا.
والتجنيس : المماثل في أكفرتم وتكفرون.
وتأكيد المظهر بالمضمر في : ففي رحمة الله هم فيها خالدون.
والتكرار : في لفظ الله.
ومحسنه : أنه في جمل متغايرة المعنى، والمعروف في لسان العرب إذا اختلفت الجمل أعادت المظهر لا المضمر، لأن في ذكره دلالة على تفخيم الأمر وتعظيمه، وليس ذلك نظير :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ***
لاتحاد الجملة.
لكنه قد يؤتى في الجملة الواحدة بالمظهر قصداً للتفخيم.
والإشارة في قوله : تلك، وتلوين الخطاب في فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم، والتشبيه والتمثيل في تبيض وتسودّ، إذا كان ذلك عبارة عن الطلاقة والكآبة والحذف في مواضع.