جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا عند حلول عقوبتنا بهم، كسنة آل فرعون وعادتهم، والذين من قبلهم من الأمم الذين كذبوا بآياتنا، فأخذناهم بذنوبهم فأهلكناهم حين كذبوا بآياتنا، فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا حين جاءهم بأسنا كالذي عوجلوا بالعقوبة على تكذيبهم ربهم من قبل آل فرعون من قوم نوح وقوم هود وقوم لوط وأمثالهم.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فقال بعضهم : معناه : كسنتهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يقول : كسنتهم.
وقال بعضهم : معناه : كعملهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان جميعا، عن جويبر، عن الضحاك :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنِ﴾ قال : كعمل آل فرعون.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا جويبر. عن الضحاك في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كعمل آل فرعون.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كفعلهم كتكذيبهم حين كذبوا الرسل. وقرأ قول الله :﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أن يصيبكم مثل الذي أصابهم عليه من عذاب الله. قال : الدأب : العمل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون.
حدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كصنع آل فرعون.
وقال آخرون : معنى ذلك : كتكذيب آل فرعون. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا فَأخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب.
وأصل الدأب من دأبت في الأمر دأْبا : إذا أدمنت العمل والتعب فيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلى الشأن والأمر والعادة، كما قال امرؤ القيس بن حجر :
| وَإِنّ شِفائي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ | فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ من مُعَوّلِ |
| كَدأْبِكَ مِنْ أُم الح ويرث قَبْلَه | اوَجارَتِها أُمّ الرّبابِ بِمأْسَل |
| لَهُ نَعْلٌ لاَ يَطّبِي الكَلْبَ رِيحُها | وَإِنْ وُضِعَتْ بَيْنَ المَجالِسِ شُمّتِ |