جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آناء اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ ليس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر سواء، يعني بذلك : أنهم غير متساوين، يقول : ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد والخير والشرّ. وإنما قيل : ليسوا سواء، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله :﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرَا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ثم أخبر جلّ ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة، فقال :﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ : أي ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الخبر جلّ ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم، وأثنى عليهم بعد ما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع ونَخْب الجَنان، ومحالفة الذلّ والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال :﴿مِنْ أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. . . الآيات الثلاث، إلى قوله :﴿واللّهُ عَلِيمٌ بالمُتّقِينَ﴾ فقوله :«أمة قائمة » مرفوعة بقوله :«من أهل الكتاب ».
وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدّمين منهم في صناعتهم، أن ما بعد سواء في هذا الموضع من قوله :﴿أُمّةٌ قائمَةٌ﴾ ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بمعنى : لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي الأمة القائمة، ومثّلوه بقول أبي ذؤيب :
| عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إني لأمْرِها | سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها |
| أزَالُ فلا أدْري أهَمّ هَمَمْتَهُ | وذو الهَمّ قِدْما خاشِعٌ مُتَضَائِلُ |
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدّقوا ورغبوا في الإسلام ومنحوا فيه، قالت : أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك من قولهم :﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهْل الكتاب أُمّةٌ قائمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ﴾ إلى قوله :﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحينَ﴾.
حدثنا أبو كريب قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ﴾. . . الاَية، يقول : ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج :﴿أُمّةٌ قائمَةٌ﴾ : عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية ومبشر، وأسيد وأسد ابنا كعب.
وقال آخرون : معنى ذلك : ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحقّ الله سواء عند الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في قوله :﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ﴾ قال : لا يستوي أهل الكتاب، وأمة محمد ﷺ.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ﴾. . . الاَية، يقول : ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التي هي قائمة.
وقد بينا أن أولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال : قد تمت القصة عند قوله :﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ عن إخبار الله بأمر مؤمني أهل الكتاب، وأهل الكفر منهم، وأن قوله :﴿مِنْ أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ﴾. خبر مبتدأ عن مدح مؤمنيهم، ووصفهم بصفتهم، على ما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج. ويعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿أُمّةٌ قائمَةٌ﴾ : جماعة ثابتة على الحقّ. وقد دللنا على معنى الأمة فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وأما القائمة، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : معناها : العادلة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿أُمَة قائمَةٌ﴾ قال : عادلة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله :﴿أَمّةٌ قائمَةٌ﴾ يقول : قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿أُمّةٌ قائِمَةٌ﴾ يقول : قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿مِنْ أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ﴾ يقول : أمة مهتدية قائمة على أمر الله، لم ننزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.
وقال آخرون : بل معنى قائمة : مطيعة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿أُمّةٌ قائمَةٌ﴾ الاَية، يقول : ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله والقانتة : المطيعة.
وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك ما قاله ابن عباس وقتادة، ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقال الأخر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك. وذلك أن معنى قوله :﴿قائمةٌ﴾ مستقيمة على الهدى، وكتاب الله وفرائضه، وشرائع دينه، بالعدل والطاعة، وغير ذلك من أسباب الخير من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. ونظير ذلك الخبر الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبيّ ﷺ أنه قال :«مَثَلُ القائِمِ على حُدُودِ اللّهِ وَالوَاقِعِ فِيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً، ثُمّ ضَرَبَ لهُمْ مَثَلاً » فالقائمُ على حُدُودِ اللّهِ هُوَ الثّابِت عَلى التّمَسّكِ بِما أمَرَهُ اللّهُ بهِ وَاجْتِنابِ ما نَهاهُ اللّهُ عَنْهُ.
فتأويل الكلام : من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه، وما سنّ له رسوله ﷺ.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
يعني بقوله :﴿يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ﴾ : يقرءون كتاب الله آناء الليل، ويعني بقوله :﴿آياتِ اللّهِ﴾ : ما أنزل في كتابه من العبر والمواعظ، يقول : يتلون ذلك آناء الليل، يقول : في ساعات الليل، فيتدبرونه ويتفكرون فيه. وأما ﴿آناءَ اللّيْلِ﴾ : فساعات الليل، واحدها : إِنْيٌ، كما قال الشاعر :
| حُلوٌ ومُرّ كعْطفِ القِدْحِ مِرّتَهُ | في كُلّ إنْيٍ قَضَاهُ اللّيْلُ يَنْتَعِلُ |
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : تأويله : ساعات الليل، كما قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللّيْلِ﴾ : أي ساعات الليل.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال :﴿آناءَ اللّيْلِ﴾ : ساعات الليل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير : سمعنا العرب تقول :﴿آناءَ اللّيْلِ﴾ : ساعات الليل.
وقال آخرون ﴿آناءَ اللّيْلِ﴾ : جوف الليل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللّيْلِ﴾ أما آناء الليل : فجوف الليل.
وقال آخرون : بل عني بذلك قوم كانوا يصلون العشاء الأخيرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود في قوله :﴿يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللّيْلِ﴾ : صلاة العتمة، هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله ﷺ ذات ليلة كان عند بعض أهله ونسائه، فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا وقال :«إنه لا يُصَلّي هذه الصّلاة أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ »، فأنزل الله :﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ إناءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
حدثني يونس، قال : ثنا، عليّ بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال : خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن ننتظر العشاء يريد العتمة فقال لنا :«ما على الأرْضِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأدْيَانِ يَنْتَظِرُ هذه الصّلاةَ في هذا الوَقْتِ غَيْرُكُمْ » قال : فنزلت :﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهْلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
وقال آخرون : بل عني بذلك قوم كانوا يصلون فيما بين المغر