كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومقاتلُ :(لَمَّا أسْلَمَ عَبْدُاللهِ ابْنُ سَلاَمٍ ؛ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعَيْةَ ؛ وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ ؛ وأسَدُ بْنُ عُبيدٍ وَمَنْ أسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ ؛ قَالَتْ أحْبَارُ الْيَهُودِ : مَا آمَنَ بُمحَمَّدٍ إلاَّ أشْرَارُنا، لَوْ كَانُواْ مِنْ أخْيَارنَا مَا تَرَكُواْ دِيْنَ آبَائِهِمْ، ثُمَّ قَالُواْ لَهُمْ : قَدْ خَسِرْتُمْ حِيْنَ اسْتَبدَلْتُمْ دِيْنَكُمْ بدِيْنٍ غَيْرِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقيل : لَمَّا ذكرَ اللهُ في الآياتِ المتقدِّمة مَن آمَنَ مِن أهلِ الكتاب، ومَن لَمْ يُؤْمِنْ. قال عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي ليسَ الفريقانِ سواءً، وهذا وَقْفٌ تَامٌّ، ثم استأنفَ قولَهُ تعالى :﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ أي عادلةٌ مستقيمةٌ مهتديةٌ. وقال الأخفشُ :(ذُو أمَّةٍ قَائِمَةٍ ؛ أيْ ذِي طَرِيْقَةٍ قَائِمَةٍ)، قال :(وَالأُمَّةُ الطَّرِيْقَةُ).
ومعنى قولهِ :﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ﴾ يعني يَقْرَأونَ القرآنَ في ساعاتِ اللَّيْلِ، ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي وهُمْ يُصَلُّونَ ؛ لأنَّ القرآنَ لا يكونُ في السجودِ، نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾[الأعراف: ٢٠٦] أي يُصَلُّونَ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـانِ﴾[الفرقان: ٦٠] أي صَلُّواْ. وإنَّما ذُكرت الصلواتُ باسمِ السجودِ، لأن السجودَ نِهايةُ ما فيها من التواضُعِ. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه :(أرَادَ بهِ صَلاَةَ العَتْمَةِ). وقيل : أرادَ به ما بينَ المغرب والعشاءِ. واختلفَ النُّحاة في واحدِ الأنَا ؛ قال بعضهُم : أنَاءُ مِثْلُ مَعَاءُ وَأمْعَاء. وقال بعضهُم : إنِّي مثل نَحَى وأنْحَى.
وقال بعضُ المفسِّرين : في الآيةِ اختصارٌ وحَذْفٌ ؛ تقديرهُ : مِن أهلِ الكتاب أمةٌ قائمةٌ وأخرَى غيرُ قائمةٍ، وتركَ الأخرى اكتفاءً بذكرِ أحدِ الفريقين ؛ قالوا : وهذا فعلٌ مجموع مقدَّمٌ كقولِهم : أكَلُونِي الْبَرَاغِيْثُ، وَذهَبُوا أصْحَابُكَ. وقال آخرونَ : تَمامُ الكلامِ عند قولِه ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ يعني المؤمنين والفاسقينَ ؛ لأن ذِكر الفريقين قد جرَى في قولِه :﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[آل عمران: ١١٠]. ثم وَصَفَ الفاسقينَ فقال :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾[آل عمران: ١١١]، ووصفَ المؤمنين فقالَ ﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ الآيةُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى