غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ويسارعون﴾ وبابه كـ﴿سارعوا﴾[آل عمران: ١٣٣] و﴿نسارع﴾[المؤمنون: ٥٦] ممالة : قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس. ﴿ما يفعلوا﴾ ﴿فلن يكفروه﴾ بياء الغيبة : حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير. الباقون : بتاء الخطاب ﴿تسؤهم﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة : الأعشى وأوقية. والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿لا يضركم﴾ من الضير : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع. وقرأ المفضل ﴿لا يضركم﴾ بالفتح الباقون :﴿لا يضركم﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع. ﴿تعملون محيط﴾ بتاء الخطاب : سهل. الباقون : بياء الغيبة.
الوقوف :﴿المسكنة﴾ ط ﴿بغير حق﴾ ط ﴿يعتدون﴾ ه قيل : لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ليسوا﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿منهم المؤمنون﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿سواء﴾ ط ﴿يسجدون﴾ ه قيل : لا وقف على جعل ﴿يؤمنون﴾ حالاً لضمير ﴿يسجدون﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿الخيرات﴾ ط ﴿الصالحين﴾ ه ﴿يكفروه﴾ ط ﴿المتقين﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿النار﴾ ج ﴿خالدون﴾ ٥ ﴿فأهلكته﴾ ط ﴿يظلمون﴾ ج ﴿خبالاً﴾ ط ﴿ما عنتم﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿أكبر﴾ ط ﴿تعقلون﴾ ه ﴿كله﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿آمنا﴾ ق قد قيل : والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿من الغيظ﴾ ط ﴿يغيظكم﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿تسؤهم﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم. ﴿يفرحوا بها﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿شيئاً﴾ ط ﴿محيط﴾ ه.
﴿ليسوا سواء﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان. قال الفراء وابن الأنباري : تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً. قال أبو ذؤيب :
دعاني إليها القلب إني لآمرهامطيع فما أدري أرشد طلابها ؟
أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده. وتقول : زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي. فيغني هذا عن أن يقال : وعبد الله ليس كذلك. وقيل : وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿أمة﴾ مرفوعة ب ﴿ليس﴾ على لغة من قال : أكلوني البراغيث. أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿أسروا النجوى الذين ظلموا﴾[الأنبياء: ٣] والتقدير : ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة. وفي تفسير أهل الكتاب قولان : الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى. قال ابن عباس ومقاتل : لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم : لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت. وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد ﷺ الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم. عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله ﷺ ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم. وفي رواية : فبشر ﷺ أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات ﴿ليسوا سواء﴾ إلى قوله :﴿والله عليم بالمتقين﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.
فقيل : ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد ﷺ فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. ولا يبعد أيضاً أن يقال : المراد كل من آمن بمحمد ﷺ فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل : أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله تعالى أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان ؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله :﴿كنتم خير أمة﴾
[آل عمران: ١١٠] كقوله :﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾[السجدة: ١٨] ثم إنه تعالى مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان : الأولى : أنها قائمة. قيل : أي في الصلاة. وقيل : ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة. وقيل : أي مستقيمة عادلة من قولك :" أقمت العود فقام " بمعنى استقام. وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية. وقوله :﴿قائما بالقسط﴾[آل عمران: ١٨] دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله :﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾[البقرة: ٤٠] الصفة الثانية :﴿يتلون﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل. فالتلاوة القراءة. وأصل الكلمة الإتباع. فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن. وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها. وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل " معاً " و " أني " و " أنوا " مثل " نحى " و " تلو ". الصفة الثالثة :﴿وهم يسجدون﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿يتلون﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي ﷺ :" ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً " يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله :﴿يبيتون لربهم سجداً وقياماً﴾[الفرقان: ٦٤] قال الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد : وهم يصلون ويتهجدون. والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله :﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾[الرعد: ١٥] وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي ﷺ وسيرته. ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم. ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون. فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً. ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله :﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح﴾ هي هواء الهوى ﴿فيها صر﴾ الشهوة ﴿أصابت حرث قوم﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ظلموا أنفسهم﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني. ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال :﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ودّوا﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ما عنتم﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاسيتم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره. ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿وما تخفي صدورهم﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿أكبر﴾ ﴿تحبونهم﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ولا يحبونكم﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ويؤتون بالكتاب كله﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿عليم بذات الصدور﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد. ﴿إن تمسسكم حسنة﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق. سيئة إنكار من الجهال وطعن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى