فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ أي : أهل الكتاب غير مستوين بل مختلفين، والجملة مستأنفة سبقت لبيان التفاوت بين أهل الكتاب. وقوله :﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هو استئناف أيضاً يتضمن بيان الجهة التي تفاوتوا فيها من كون بعضهم أمة قائمة إلى قوله :﴿منَ الصالحين﴾ قال الأخفش : التقدير من أهل الكتاب ذو أمة، أي : ذو طريقة حسنة وأنشد :
وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع ***. . .
وقيل : في الكلام حذف، والتقدير : من أهل الكتاب أمة قائمة، وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى، كقول أبي ذؤيب :
عَصَيْتُ إلَيْها القَلْب إنِّيَ لأمرِهَامُطيعٌ فَما أدري أرشْدٌ طِلابُها ؟
أراد أرشد أم غيّ. قال الفراء : أمة رفع بسواء، والتقدير : ليس يستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله، وأمة كافرة. قال النحاس : وهذا القول خطأ من جهات : أحدها أنه يرفع أمة بسواء، فلا يعود على اسم ليس شيء، ويرفع بما ليس جارياً على الفعل، ويضمر ما لا يحتاج إليه ؛ لأنه قد تقدّم ذكر الكافرة، فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة : هذا مثل قولهم أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك. قال النحاس : وهذا غلط ؛ لأنه قد تقدّم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر النهي.
وعندي أن ما قاله الفراء قويّ قويم، وحاصله أن معنى الآية : لا يستوي أمة من أهل الكتاب شأنها كذا، وأمة أخرى شأنها كذا، وليس تقدير هذا المحذوف من باب تقدير ما لا حاجة إليه، كما قال النحاس، فإن تقدّم ذكر الكافرة لا يفيد مفاد تقدير ذكرها هنا، وأما قوله : إنه لا يعود على اسم ليس شيء، فيردّه أن تقدير العائد شائع مشتهر عند أهل الفن، وأما قوله : ويرفع بما ليس جارياً على الفعل فغير مسلم. والقائمة : المستقيمة العادلة، من قولهم : أقمت العود فقام : أي : استقام.
وقوله :﴿يَتْلُونَ﴾ في محل رفع على أنه صفة ثانية لأمة، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال ﴿آناء الليل﴾ ساعاته، وهو : منصوب على الظرفية. وقوله :﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ظاهره أن التلاوة كائنة منهم في حال السجود، ولا يصح ذلك إذا كان المراد بهذه الأمة الموصوفة في الآية : هم من قد أسلم من أهل الكتاب ؛ لأنه قد صح عن النبي ﷺ النهي عن قراءة القرآن في السجود، فلا بدّ من تأويل هذا الظاهر بأن المراد بقوله :﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ وهم يصلون، كما قاله الفراء، والزجاج، وإنما عبر بالسجود عن مجموع الصلاة، لما فيه من الخضوع، والتذلل. وظاهر هذا أنهم يتلون آيات الله في صلاتهم من غير تخصيص لتلك الصلاة بصلاة معينة، وقيل : المراد بها : الصلاة بين العشاءين، وقيل : صلاة الليل مطلقاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن ابن عباس قال : لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وأسيد بن سعيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا، وصدّقوا، ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود، وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد، وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقول : مهتدية قائمة على أمر الله لم تنزع عنه، ولم تتركه، كما تركه الآخرون، وضيعوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم قال :﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ عادلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿آناء الليل﴾ قال : جوف الليل. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال : ساعات الليل. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله :﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ قال : لا يستوي أهل الكتاب، وأمة محمد :﴿يَتْلُونَ آيات الله آنَاء الليل﴾ قال : صلاة العتمة هم : يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال السيوطي : بسند حسن، عن ابن مسعود قال :«أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال :" أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم " ولفظ ابن جرير، والطبراني فقال : إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب. قال : وأنزلت هذه الآية :﴿ليسوا سواء﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن منصور قال : بلغني أنها نزلت هذه الآية :﴿يَتْلُونَ آيات الله آنَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ فيما بين المغرب، والعشاء.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ﴿فَلَنْ تكفروه﴾ قال : لن يضلّ عنكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿فَلَنْ تكفروه﴾ قال : لن تظلموه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في الآية يقول :﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي : المشركون، ولا يتقبل منهم، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صرّ، فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ قال : برد شديد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى