الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( لَيْسُوا سَوَاءً مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ ) [ ١١٣-١١٤ ].
هذا مردود على [ قوله ](١) ( مِّنْهُمُ الْمُومِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) ثم قال :( لَيْسُوا سَوَاءً ) أي : ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام، (٢) ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن.
والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه : أحدها أنه يقدر محذوفاً ولا يحل التمام سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وسواء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام(٣).
وأبو عبيدة يجعل ( لَيْسُوا ) على لغة من قال : أكلوني البراغيت، ويجعل ( أُمَّةٌ ) اسم ليس و( سَوَاءً ) الخبر ويقدر محذوفاً، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [ هو ](٤) مثل أكلوني البراغيت لأنه لم يتقدم [ له ](٥) ذكر. (٦)
وتصغير ءَانَاءَ ) أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واواً كما تقول : أويد في آدم، ومعنى الآية : أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل الكتاب والكفر(٧) سواء، والضمير في ( لَيْسُوا ) يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين والفاسقين ( من أهل الكتاب فقال ) :(٨) من أهل الكتاب ( أُمَّةٌ ) شأنها بالمدح والثناء هذا مذهب البصريين.
والكوفيون(٩) يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما يدخل عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا : وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر المؤمنة عليها(١٠) ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [ علي ](١١) قمت حتى تقول أم قعدت، وأجازوا هنا الحذف، ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفياً بواحد نحو ما أبالي، وما أدري لاكتفاء ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري أجليت يريدون أم فعلت كذا ويحذفونه، ويلزمهم ألا يجيزوا الآية على تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع سواء لنقصانه، وقد(١٢) أجازوه(١٣) في الآية، وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما لا يجوز في الكلام(١٤).
روى ابن(١٥) وهب عن مالك : أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس(١٦).
ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم معهم غيرهم فقال : من بقي من أحبار يهود : ما آمن بمحمد –صلى الله عليه وسلم- إلا شرارنا فأنزل الله الآية(١٧) يفضل فيها من آمن منهم على من لا يؤمن.
وقال الحسن : إن قوله :( يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِ ءَانَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) يريد ما بين المغرب والعشاء(١٨).
وقال ابن مسعود : معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد ﷺ، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا(١٩). قال مجاهد : قائمة عادلة(٢٠).
وقال قتادة : قائمة على كتاب الله عز وجل وفرائضه وحدوده(٢١).
وقال ابن عباس : قائم أي : مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة(٢٢).
وقال السدي : قائمة مطيعة(٢٣). وقال الأخفش : من أهل الكتاب أمة ( أي : ذو أمة )(٢٤) بمعنى : ذو طريقة حسنة(٢٥).
وواحد آناء الليل اني : كقُنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء(٢٦) وحكى الأخفش أني(٢٧).
وقال قتادة : آناء الليل ساعاته(٢٨) أي : يتلون في ساعات(٢٩) الليل. وقال السدي : هي جوف الليل(٣٠). وقال ابن مسعود :[ آيات الله ](٣١) آناء الليل صلاة العتمة يصلونها، وما سواهم لا يصليها(٣٢) وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ خرج عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال : فجاء النبي عليه السلام(٣٣) ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا، وقال : إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب : فأنزل عز وجل ( لَيْسُوا سَوَاءً )(٣٤) الآية.
وروى الثوري عن منصور أنها نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء(٣٥).
ومعنى يتلون آناء الليل : يتبعون بعضها بعضاً(٣٦)، ( ومعنى )(٣٧) ( وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) أي : يصلون(٣٨).
وقيل : المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني السجود المعروف في الصلاة(٣٩).
١ - ساقط من (أ)..
٢ - تم الكلام لأن ما بعده مبتدأ إلا في قول الفراء، والتقدير عنده: ليست تستوي أمة قائمة يتلون آيات الله، وأمة على خلاف ذلك، معاني الفراء ١/٢٣٠ وعده النحاة تعسفاً شديداً لأنه حذف من الكلام ورفع بما ليس جارياً على الفعل، وأما خبر ليس لم يعد منه شيء على اسمها. انظر: القطع ٢٣٢ وإعراب النحاس ١/٣٥٨ والبحر ٣/٣٣ والإملاء ١/٨٥..
٣ - اعتمد مكي رأي النحاس في هذه المسألة ولم يزد على ما ذكره شيئاً، إعراب النحاس ١/٣٥٨..
٤ - ساقط من (أ)..
٥ - ساقط من (ب) و(د)..
٦ - يقوم رأي أبي عبيدة على أن قوله تعالى: "ليسوا سواء" كلام غير تام، ولا يجوز الوقوف عليه بل هو متعلق بما بعده والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة ولابد من إضمار، انظر: مجاز القرآن ١/١٠١ وقد أنكر النحاة هذا القول لاتفاقهم على أن ذلك لغة ركيكة، انظر: إعراب النحاس ١/٣٥٩ ومشكل الإعراب ١/١٧٠ والمحرر ٣١٩..
٧ - (د): وأهل الكفر..
٨ - ساقط من (ج)..
٩ - (أ) والكوفيين..
١٠ - قوله والضمير في ليسوا... إلى عليها، هو صياغة أخرى لما كتبه مكي في صدر هذه الصفحة فأغنى عنه ما ذكر أولاً..
١١ - ساقط من (ج)..
١٢ - (أ) و(ج): فقد..
١٣ - (ج): أجازه..
١٤ - انظر: جامع البيان ٤/٥٢..
١٥ - زيادة يقتضيها السياق..
١٦ - انظر: جامع البيان ٤/٥٣ – والدر المنثور ٢/٢٩٦-٢٩٧..
١٧ - انظر: جامع البيان ٤/٥٢ وأسباب النزول ٦٢..
١٨ - انظر: جامع البيان ٢/٢٩٧ و٤/٥٥..
١٩ - انظر: المصدر السابق..
٢٠ - تفسير مجاهد ١/١٣٣..
٢١ - انظر: جامع البيان ٤/٥٣ والدر المنثور ٢/٢٩٧..
٢٢ - انظر: المصدر السابق..
٢٣ - انظر: المصدر السابق..
٢٤ - ساقط من (د)..
٢٥ - انظر: معاني الأخفش ١/٤١٨..
٢٦ - آناء الليل: ساعاته، واحدها إِنْى بسكون النون أو كسرها، من قال أنْيي بسكون النون فهو مثل نحي وانحاء، ومن قال: أنِي بكسر النون فهو معي وأمعاء، انظر: اللسان ١٤/٤٩..
٢٧ - انظر: معاني الأخفش ١/٤١٨، وفي انظر: معاني الزجاج ١/٤٥٩ وحكى الأخفش: إنو..
٢٨ - انظر: جامع البيان ٤/٥٥..
٢٩ - (د): ساعة..
٣٠ - انظر: المصدر السابق..
٣١ - لا مكان لهذه الجملة. المدقق..
٣٢ - انظر: جامع البيان ٤/٥٥ والدر المنثور ٢/٢٩٧..
٣٣ - (ج): صلى الله عليه وسلم..
٣٤ - أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العشاء ١/١٤١ ومسلم في كتاب المساجد باب وقت العشاء ٢/١١٥ والطبراني في الكبير ١/٢٦٥..
٣٥ - انظر: جامع البيان ٤/٥٥ والدر المنثور ٢/١٩٨..
٣٦ - انظر: المفردات ٧١ واللسان (تلي) ١٤/١٠٢..
٣٧ - ساقط من (ج)..
٣٨ - هو رأي للفراء في معانيه ١/٢٣١ واعترض الطبري بأن المراد بالسجود: السجود المعروف في الصلاة. انظر: جامع البيان ٤/٥٦ ورد ابن عطية اعتراض الطبري المحرر ٣/٢٠٢..
٣٩ - انظر: هذا التوجيه انظر: في جامع البيان ٤/٥٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى