اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾.
قرأ الأخوان وحَفْص :" يَفْعَلُوا " و " يُكْفروهُ " – بالغيبة-.
والباقون بالخطاب. (١)
الغيب مراعاة لقوله :﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾، فجرى على لفظ الغيبة، أخبرنا - تعالى - أن ما يفعلونه من خير يبقى لهم غير مكفور ؛ وقراءة الباقين بالتاء الرجوع إلى الخطاب لأمة محمد ﷺ في قوله :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾.
ويجوز أن يكون التفاتاً من الغيبة في قوله :﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ إلى آخره ؛ إلى خطابهم، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب، ويؤيد ذلك أنه اقتصر على ذكر الخير دون الشر ؛ ليزيد في التأنيس. ويدل على ذلك قراءة الأخوين ؛ فإنها كالنص في أن المراد قوله :﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾.

فصل


اعلم أن اليهودَ لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب إيمانكم، قال الله تعالى : بل فازوا بالدرجات العُظْمَى، فالمقصود تعظيمهم ؛ ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، وهذا وإن كان لفظه - على قراءة الغيبة - لمؤمني أهل الكتاب، فسائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلّة.
أما على قراءة المخاطبة فهذا ابتداء خطاب لجميع المؤمنين - ونظيره قوله :﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله :﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله :﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ونقل عن أبي عمرو : أنه كان يقرأها بالقراءتين(٢).
وسُمِّيَ منع الجزاء كفراً لوجهين :
الأول : أنه - تعالى - سَمَّى إيصال الجزاء شُكْراً، فقال :﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وسمى منعه كفراً.
الثاني : أن الكفر - في اللغة - : الستر. فسمي منع الجزاء كُفْراً ؛ لأنه بمنزلة الجَحْدِ والستر.
فإن قيل :" شكر " و " كفر " لا يتعديان إلا إلى واحد، يقال : شكر النعمة، وكفرها - فكيف تعدّى - هنا - لاثنين أولهما قام مقام الفاعل، والثاني : الهاء في " يكفروه " ؟.
فقيل : إنه ضُمِّن معنى فعل يتعدى لاثنين - كحرم ومنع، فكأنه قيل : فلن يُحْرَموه، ولن يُمْنَعُوا جزاءه.
ثم قال :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ واسم " الله " يدل على عدم العجز، والبخل، والحاجة ؛ لأنه إله جميع المحدثات، وقوله :" عَلِيمٌ " يدل على عدم الجَهْل، وإذا انتفت هذه الصفاتُ، امتنع المنع من الجزاء ؛ لأن منعَ الحق لا بد وأن يكون لأحد هذه الأمور.
وقوله :﴿بِالمُتَّقِينَ﴾ - مع أنه عالم بالكلِّ - بشارة للمتقين بجزيل الثواب.
١ انظر: السبعة ٢١٥، والكشف ١/٣٥٤، والعنوان ٨٠، والحجة ٣/٧٣، وحجة القراءات ١٧٠، ١٧١، وإعراب القراءات ١/١١٧، ١١٨، وشرح شعلة ٣٢٠، وشرح الطيبة ٤/١٦٣، وإتحاف ١/٤٨٦..
٢ انظر: السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى