جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يشاء إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولي الأبْصَارِ }
يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهراني بلدك : قد كان لكم آية يعني علامة ودلالة على صدق ما أقول إنك ستغلبون وعبرة، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ عبرة وتفكر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله، إلا أنه قال : ومتفكّر ﴿في فِئَتَيْنِ﴾ يعني في فرقتين وحزبين. والفئة : الجماعة من الناس التقتا للحرب، وإحدى الفئتين رسول الله ﷺ ومن كان معه ممن شهد وقعة بدر، والآخرى مشركو قريش، فئة تقاتل في سبيل الله، جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وأخرى كافرة وهم مشركو قريش. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَيَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ أصحاب رسول الله ﷺ ببدر، ﴿وأُخْرَى كافرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَيَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ محمد ﷺ وأصحابه، ﴿وأُخرَى كافرَةٌ﴾ : قريش يوم بدر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ قال : في محمد وأصحابه ومشركي قريش يوم بدر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَيَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال ذلك يوم بدر، التقى المسلمون والكفار.
ورفعت ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ وقد قيل قبل ذلك في فئتين، بمعنى : إحداهما تقاتل في سبيل الله على الابتداء، كما قال الشاعر :
فكنتُ كَذِي رِجْلَيْنِ : رِجْلٌ صحيحةٌ *** وَرِجْلٌ رَمَى فِيها الزّمانُ فَشَلّتِ
وكما قال ابن مفرغ :
فكنتُ كذِي رِجْلَيْنِ : رِجْلٌ صحيحةٌ *** ورِجْلٌ بِها رَيْبٌ من الحَدَثَانِ
وكذلك تفعل العرب في كل مكرر على نظير له قد تقدمه إذا كان مع المكرر خبر ترده على إعراب الأول مرة وتستأنفه ثانية بالرفع، وتنصبه في التام من الفعل والناقص، وقد جُرّ ذلك كلّه، فخفض على الرد على أول الكلام، كأنه يعني إذا خفض ذلك فكنت كذي رجلين كذي رجل صحيحة ورجل سقيمة. وكذلك الخفض في قوله :«فئة »، جائز على الرد على قوله :«في فئتين التقتا »، في فئة تقاتل في سبيل الله. وهذا وإن كان جائزا في العربية، فلا أستجيز القراءة به لإجماع الحجة من القراء على خلافه، ولو كان قوله :«فئة » جاء نصبا كان جائزا أيضا على قوله : قد كان لكم آية في فئتين التقتا مختلفتين.
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل المدينة :«ترونهم » بالتاء، بمعنى : قد كان لكم أيها اليهود آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، والأخرى كافرة، ترون المشركين مثلي المسلمين رأي العين. يريد بذلك عظتهم. يقول : إن لكم عبرة أيها اليهود فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين، وكثرة عدد المشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين :﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياء، بمعنى : يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله الجماعة الكافرة مثلي المسلمين في القدر. فتأويل الآية على قراءتهم : قد كان لكم يا معشر اليهود عبرة ومتفكّر في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم هؤلاء المشركين في كثرة عددهم.
فإن قال قائل : وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء، وأي الفئتين رأت صاحبتها مثليها ؟ الفئة المسلمة هي التي رأت المشركة مثليها، أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك ؟ قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : الفئة التي رأت الأخرى مثلي أنفسها الفئة المسلمة، رأت عدد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة، قلّلها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها، ثم قللها في حال أخرى، فرأتها مثل عدد أنفسها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وأُخْرَى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رأيَ العَيْنِ﴾ قال : هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود : قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحدا، وذلك قول الله عز وجل :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِي أعْيُنِهِمْ﴾.
فمعنى الاَية على هذا التأويل : قد كان لكم يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا : إحداهما مسلمة، والأخرى كافرة، كثير عدد الكافرة، قليل عدد المسلمة، ترى الفئة القليل عددها، الكثير عددها أمثالاً لها أنها تكثرها من العدد بمثل واحد، فهم يرونهم مثليهم، فيكون أحد المثلين عند ذلك، العدد الذي هو مثل عدد الفئة التي رأتهم، والمثل الاَخر : الضعف الزائد على عددهم، فهذا أحد معنيي التقليل الذي أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قللهم في أعينهم¹ والمعنى الاَخر منه : التقليل الثاني على ما قاله ابن مسعود، وهو أن أراهم عدد المشركين مثل عددهم لا يزيدون عليهم، فذلك التقليل الثاني الذي قال الله جل ثناؤه :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : إن الذين رأوا المشركين مثلي أنفسهم هم المسلمون، غير أن المسلمين رأوهم على ما كانوا به من عددهم، لم يقللوا في أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره. قالوا : ولذلك قال الله عز وجل لليهود : قد كان لكم فيهم عبرة¹ يخوفهم بذلك أن يحل بهم منهم، مثل الذي حل بأهل بدر على أيديهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أنزلت في التخفيف يوم بدر، فإنّ المؤمنين كانوا يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم، فأنزل الله عز وجل :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئْتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رأيَ العَيْنِ﴾ وكان المشركون ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين، فكان هذا الذي في التخفيف على المؤمنين.
وهذه الرواية خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر، وذلك أن الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجهين، فقال بعضهم : كان عددهم ألفا، وقال بعضهم : ما بين التسعمائة إلى الألف. ذكر من قال كان عددهم ألفا :
حدثني هارون بن إسحاق الهمداني، قال : حدثنا مصعب بن المقدام، قال : حدثنا إسرائيل، قال : حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي، قال : سار رسول الله ﷺ إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجل من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط¹ فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة، فأخذناه، فجعلنا نقول : كم القوم ؟ فيقول : هم والله كثير شديد بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك صدّقوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله ﷺ، فقال له :«كَمِ القَوْمُ ؟ » فقال : هم والله كثير شديد بأسهم. فجهد النبي ﷺ على أن يخبرهم كم هم، فأبى. ثم إن رسول الله ﷺ سأله :«كَمْ تَنْحَرُون مِنَ الجُزُرِ ؟ » قال : عشرة كل يوم. قال رسول الله ﷺ :«القَوْمُ ألْفٌ ».
حدثني أبو سعيد بن يوشع البغدادي، قال : حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال : أسرنا رجلاً منهم يعني من المشركين يوم بدر فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا.
ذكر من قال : كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال ابن إسحاق : ثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال : بعث النبي ﷺ نفرا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية من قريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص، فأتوا بهما رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لهما :«كَمِ القَوْم ؟ » قالا : كثير. قال :«ما عِدّتُهُمْ ؟ » قالا : لا ندري. قال :«كَمْ تَنْحَرُونَ كُلّ يَوْمٍ ؟ » قالا : يوما تسعا ويوما عشرا، قال رسول الله ﷺ :«القَوْمُ مَا بَيْنَ التّسْعِمَائَةِ إلى الألْفِ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فَئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رأيَ العَيْنِ﴾ ذلكم يوم بدر ألف المشركون، أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ﴾ إلى قوله :﴿رأيَ العَيْنِ﴾ قال : يضعفون عليهم فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :{ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَب
يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهراني بلدك : قد كان لكم آية يعني علامة ودلالة على صدق ما أقول إنك ستغلبون وعبرة، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ عبرة وتفكر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله، إلا أنه قال : ومتفكّر ﴿في فِئَتَيْنِ﴾ يعني في فرقتين وحزبين. والفئة : الجماعة من الناس التقتا للحرب، وإحدى الفئتين رسول الله ﷺ ومن كان معه ممن شهد وقعة بدر، والآخرى مشركو قريش، فئة تقاتل في سبيل الله، جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وأخرى كافرة وهم مشركو قريش. كما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَيَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ أصحاب رسول الله ﷺ ببدر، ﴿وأُخْرَى كافرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَيَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ محمد ﷺ وأصحابه، ﴿وأُخرَى كافرَةٌ﴾ : قريش يوم بدر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ قال : في محمد وأصحابه ومشركي قريش يوم بدر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَيَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قال ذلك يوم بدر، التقى المسلمون والكفار.
ورفعت ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ وقد قيل قبل ذلك في فئتين، بمعنى : إحداهما تقاتل في سبيل الله على الابتداء، كما قال الشاعر :
فكنتُ كَذِي رِجْلَيْنِ : رِجْلٌ صحيحةٌ *** وَرِجْلٌ رَمَى فِيها الزّمانُ فَشَلّتِ
وكما قال ابن مفرغ :
فكنتُ كذِي رِجْلَيْنِ : رِجْلٌ صحيحةٌ *** ورِجْلٌ بِها رَيْبٌ من الحَدَثَانِ
| فَأمّا التي صَحّتْ فأزْدُشَنُوءةٍ | وَأمّا التي شَلّتْ فأزد عُمَانِ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأيَ العَيْنِ﴾.
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل المدينة :«ترونهم » بالتاء، بمعنى : قد كان لكم أيها اليهود آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، والأخرى كافرة، ترون المشركين مثلي المسلمين رأي العين. يريد بذلك عظتهم. يقول : إن لكم عبرة أيها اليهود فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين، وكثرة عدد المشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين :﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياء، بمعنى : يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله الجماعة الكافرة مثلي المسلمين في القدر. فتأويل الآية على قراءتهم : قد كان لكم يا معشر اليهود عبرة ومتفكّر في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم هؤلاء المشركين في كثرة عددهم.
فإن قال قائل : وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء، وأي الفئتين رأت صاحبتها مثليها ؟ الفئة المسلمة هي التي رأت المشركة مثليها، أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك ؟ قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : الفئة التي رأت الأخرى مثلي أنفسها الفئة المسلمة، رأت عدد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة، قلّلها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها، ثم قللها في حال أخرى، فرأتها مثل عدد أنفسها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وأُخْرَى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رأيَ العَيْنِ﴾ قال : هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود : قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحدا، وذلك قول الله عز وجل :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِي أعْيُنِهِمْ﴾.
فمعنى الاَية على هذا التأويل : قد كان لكم يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا : إحداهما مسلمة، والأخرى كافرة، كثير عدد الكافرة، قليل عدد المسلمة، ترى الفئة القليل عددها، الكثير عددها أمثالاً لها أنها تكثرها من العدد بمثل واحد، فهم يرونهم مثليهم، فيكون أحد المثلين عند ذلك، العدد الذي هو مثل عدد الفئة التي رأتهم، والمثل الاَخر : الضعف الزائد على عددهم، فهذا أحد معنيي التقليل الذي أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قللهم في أعينهم¹ والمعنى الاَخر منه : التقليل الثاني على ما قاله ابن مسعود، وهو أن أراهم عدد المشركين مثل عددهم لا يزيدون عليهم، فذلك التقليل الثاني الذي قال الله جل ثناؤه :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.
وقال آخرون من أهل هذه المقالة : إن الذين رأوا المشركين مثلي أنفسهم هم المسلمون، غير أن المسلمين رأوهم على ما كانوا به من عددهم، لم يقللوا في أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره. قالوا : ولذلك قال الله عز وجل لليهود : قد كان لكم فيهم عبرة¹ يخوفهم بذلك أن يحل بهم منهم، مثل الذي حل بأهل بدر على أيديهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أنزلت في التخفيف يوم بدر، فإنّ المؤمنين كانوا يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم، فأنزل الله عز وجل :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئْتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رأيَ العَيْنِ﴾ وكان المشركون ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين، فكان هذا الذي في التخفيف على المؤمنين.
وهذه الرواية خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر، وذلك أن الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجهين، فقال بعضهم : كان عددهم ألفا، وقال بعضهم : ما بين التسعمائة إلى الألف. ذكر من قال كان عددهم ألفا :
حدثني هارون بن إسحاق الهمداني، قال : حدثنا مصعب بن المقدام، قال : حدثنا إسرائيل، قال : حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي، قال : سار رسول الله ﷺ إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجل من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط¹ فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة، فأخذناه، فجعلنا نقول : كم القوم ؟ فيقول : هم والله كثير شديد بأسهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك صدّقوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله ﷺ، فقال له :«كَمِ القَوْمُ ؟ » فقال : هم والله كثير شديد بأسهم. فجهد النبي ﷺ على أن يخبرهم كم هم، فأبى. ثم إن رسول الله ﷺ سأله :«كَمْ تَنْحَرُون مِنَ الجُزُرِ ؟ » قال : عشرة كل يوم. قال رسول الله ﷺ :«القَوْمُ ألْفٌ ».
حدثني أبو سعيد بن يوشع البغدادي، قال : حدثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال : أسرنا رجلاً منهم يعني من المشركين يوم بدر فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا.
ذكر من قال : كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال ابن إسحاق : ثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال : بعث النبي ﷺ نفرا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية من قريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص، فأتوا بهما رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لهما :«كَمِ القَوْم ؟ » قالا : كثير. قال :«ما عِدّتُهُمْ ؟ » قالا : لا ندري. قال :«كَمْ تَنْحَرُونَ كُلّ يَوْمٍ ؟ » قالا : يوما تسعا ويوما عشرا، قال رسول الله ﷺ :«القَوْمُ مَا بَيْنَ التّسْعِمَائَةِ إلى الألْفِ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فَئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رأيَ العَيْنِ﴾ ذلكم يوم بدر ألف المشركون، أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ﴾ إلى قوله :﴿رأيَ العَيْنِ﴾ قال : يضعفون عليهم فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :{ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَب