جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿وَسَارِعُوا﴾ وبادروا وسابقوا إلى مغفرة من ربكم، يعني : إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها ﴿وَجنّةِ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأَرْضُ﴾ يعنى سارعوا أيضا إلى جنة عرضها السموات والأرض، ذكر أن معنى ذلك : وجنة عرضها كعرض السموات السبع، والأرضين السبع، إذا ضمّ بعضها إلى بعض. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ قال : قال ابن عباس : تقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة.
وإنما قيل :﴿وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأَرْضُ﴾ فوصف عرضها بالسموات والأرضين، والمعنى ما وصفنا من وصف عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل :﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال الشاعر :
كأنّ عَذِيرَهُمْ بجَنُوبِ سِلّىنَعامٌ قَاقَ فَي بَلَدٍ قِفارِ
أي عذير نعام، وكما قال الآخر :
حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتي عَناقاوَما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بالْعَناقِ
يريد صوت عناق. وقد ذكر أن رسول الله ﷺ سئل فقيل له : هذه الجنة عرضها السموات والأرض، فأين النار ؟ فقال :«هَذَا النّهارُ إذَا جَاءَ، أيْنَ اللّيْلُ ؟ ».
ذكر الأخبار عن رسول الله ﷺ وغيره.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة، قال : لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخا كبيرا قد أقعد، قال : قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلاً عن يساره، قال : قلت من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا : معاوية، فإذا هو : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار ؟ فقال رسول الله ﷺ :«سُبْحانَ اللّهِ، فأيْنَ اللّيْلُ إذَا جاءَ النّهارُ ؟ ».
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب : أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، أين النار ؟ قال :«أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ » فقالوا : اللهمّ نزعْتَ مثله من التوراة.
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب : أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران، فسألوه وعنده أصحابه، فقالوا : أرأيت قوله :﴿وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتِ وَالأرْضُ﴾ فأين النار ؟ فأحجم الناس، فقال عمر :«أرأيتم إذا جاء الليل، أين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل ؟ » فقالوا : نزعت مثلها من التوراة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : أخبرنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن عمر، بنحوه في الثلاثة الرهط الذين أتوا عمر، فسألوه عن جنة عرضها كعرض السموات والأرض، بمثل حديث قيس بن مسلم.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال : تقولون : جنة عرضها السموات والأرض أين تكون النار ؟ فقال له عمر : أرأيت النهار إذا جاء، أين يكون الليل ؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار ؟ فقال : إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه : لم أخبرته ؟ فقال له صاحبه : دعه إنه بكلّ موقنٌ.
حدثني أحمد بن حازم، قال : أخبرنا أبو نعيم، قال : حدثنا جعفر بن برقان، قال : حدثنا يزيد بن الأصم أن رجلاً من أهل الكتاب أتى ابن عباس، فقال : تقولون جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار ؟ فقال ابن عباس : أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل ؟
وأما قوله :﴿أُعِدّتْ للْمُتّقِينَ﴾ فإنه يعني : إن الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله، فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدّوا حدوده، ولم يقصروا في واجب حقه عليهم فيضيعوه. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال :﴿وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأرْضُ أُعِدّتْ للْمُتّقِينَ﴾ : أي ذلك لمن أطاعني وأطاع رسولي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى