البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾ قرأ ابن عامر ونافع : سارعوا بغير واو على الاستئناف، والباقون بالواو على العطف.
لما أمروا بتقوى النار أمروا بالمبادرة إلى أسباب المغفرة والجنة.
وأمال الدوري في قراءة الكسائي : وسارعوا لكسرة الراء.
وقرأ أبي وعبد الله : وسابقوا والمسارعة : مفاعلة.
إذ الناس كل واحد منهم ليصل قبل غيره فبينهم في ذلك مفاعلة.
ألا ترى إلى قوله :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والمسارعة إلى سبب المغفرة وهو الإخلاص، قاله عثمان.
أو أداء الفرائض قاله علي.
أو الإسلام قاله : ابن عباس.
أو التكبيرة الأولى من الصلاة مع الإمام قاله : أنس ومكحول.
أو الطاعة قاله : سعيد بن جبير.
أو التوبة قاله : عكرمة.
أو الهجرة قاله : أبو العالية.
أو الجهاد قاله : الضحاك.
أو الصلوات الخمس قاله : يمان.
أو الأعمال الصالحة قاله : مقاتل.
وينبغي أن تحمل هذه الأقوال على التمثيل لا على التعيين والحصر.
قال الزمخشري : ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يستحقان به انتهى.
وفي ذكر الاستحقاق دسيسة الاعتزال، وتقدم ذكر المغفرة على الجنة لأنها السبب الموصل إلى الجنة، وحذف المضاف من السموات أي : عرض السموات بعد حذف أداة التشبيه أي : كعرضٍ.
وبعد هذا التقدير اختلفوا، هل هو تشبيه حقيقي ؟ أو ذهب به مذهب السعة العظيمة ؟ لما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في الغاية القصوى، إذ السموات والأرض أوسع ما علمه الناس من مخلوقاته وأبسطه، وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة، فعلى هذا لا يراد عرض ولا طول حقيقة قاله : الزجاج.
وتقول العرب : بلاد عريضة، أي واسعة.
وقال الشاعر :
والقول الأول مروي عن ابن عباس وغيره.
قال ابن عباس وسعيد بن جبير : والجمهور تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب، فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله انتهى ولا ينكر هذا.
فقد ورد في الحديث في وصف الجنة وسعتها ما يشهد لذلك.
وأورد ابن عطية من ذلك أشياء في كتابه.
والجنة على هذا القول أكبر من السموات، وهي ممتدّة في الطول حيث شاء الله.
وخص العرض بالذكر لدلالته على الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على سعة العرض، إذ قد يكون العرض يسيراً كعرض الخيط.
وقال قوم : معناه كعرض السموات والأرض طباقاً، لا بأنْ تقرب كبسط الثياب.
فالجنة في السماء وعرضها كعرضها، وعرض ما وازاها من الأرضين إلى السابعة، وهذه دلالة على العظيم.
وأغنى ذكر العرض عن ذكر الطول.
وقال ابن فورك : الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة، وتقدم الكلام في الجنة أخلقت ؟ وهو ظاهر القرآن.
ونص الآثار الصحيحة النبوية أم لم تخلق بعدُ ؟ وهو قول : المعتزلة، ووافقهم من أهل بلادنا القاضي منذر بن سعيد.
وأما قول ابن فورك أنه يزاد فيها فيحتاج إلى صحة نقل عن النبي ﷺ.
وقال الكلبي : الجنان أربع : جنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.
كل جنة منها كعرض السماء والأرض، لو وصل بعضها ببعض ما علم طولها إلا الله.
وقال ابن بحر : هو من عرض المتاع على البيع، لا العرض المقابل للطول.
أي لو عورضت بها لساوها نصيب كل واحد منكم، وجاء إعدادها للمتقين فخصوا بالذكر تشريفاً لهم، وإعلاماً بأنهم الأصل في ذلك، وغيرهم تبع لهم في إعدادها.
وإن أريد بالمتقين متقو الشرك كان عاماً في كل مسلم طائع أو عاص.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من الفصاحة والبديع والبيان :
من ذلك الاعتراض في : والله يحب المحسنين، وفي : ومن يغفر الذنوب إلا الله، وفي : والله لا يحب الظالمين.
وتسمية الشيء باسم سببه في : إلى مغفرة من ربكم.
والتشبيه في : عرضها السموات والأرض.
وقيل : هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة.
والطباق في : السرّاء والضرّاء، وفي : ولا تهنوا والأعلون، لأن الوهن والعلو ضدان. وفي آمنوا والظالمين، لأن الظالمين هنا هم الكافرون، وفي : آمنوا ويمحق الكافرين.
والعام يراد به الخاص في : والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك.
والتكرار في : واتقوا الله، واتقوا النار، وفي لفظ الجلالة، وفي والله يحب، وذكروا الله، وفي وليعلم الله، والله لا يحب، وليمحص الله، وفي الذين ينفقون، والذين إذا فعلوا.
والاختصاص في : يحب المحسنين، وفي : وهم يعلمون، وفي : عاقبة المكذبين، وفي : موعظة للمتقين، وفي : إن كنتم مؤمنين، وفي : لا يحب الظالمين، وفي : وليمحص الله الذين آمنوا، وفي : ويمحق الكافرين.
والاستعارة في : فسيروا، على أنه من سير الفكر لا القدم، وفي : وأنتم الأعلون، إذا لم تكن من علو المكان، وفي : تلك الأيام نداولها، وفي : وليمحص ويمحق، والإشارة في هذا بيان.
وفي : وتلك الأيام.
وإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في : إن كنتم مؤمنين، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع.
لما أمروا بتقوى النار أمروا بالمبادرة إلى أسباب المغفرة والجنة.
وأمال الدوري في قراءة الكسائي : وسارعوا لكسرة الراء.
وقرأ أبي وعبد الله : وسابقوا والمسارعة : مفاعلة.
إذ الناس كل واحد منهم ليصل قبل غيره فبينهم في ذلك مفاعلة.
ألا ترى إلى قوله :﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والمسارعة إلى سبب المغفرة وهو الإخلاص، قاله عثمان.
أو أداء الفرائض قاله علي.
أو الإسلام قاله : ابن عباس.
أو التكبيرة الأولى من الصلاة مع الإمام قاله : أنس ومكحول.
أو الطاعة قاله : سعيد بن جبير.
أو التوبة قاله : عكرمة.
أو الهجرة قاله : أبو العالية.
أو الجهاد قاله : الضحاك.
أو الصلوات الخمس قاله : يمان.
أو الأعمال الصالحة قاله : مقاتل.
وينبغي أن تحمل هذه الأقوال على التمثيل لا على التعيين والحصر.
قال الزمخشري : ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يستحقان به انتهى.
وفي ذكر الاستحقاق دسيسة الاعتزال، وتقدم ذكر المغفرة على الجنة لأنها السبب الموصل إلى الجنة، وحذف المضاف من السموات أي : عرض السموات بعد حذف أداة التشبيه أي : كعرضٍ.
وبعد هذا التقدير اختلفوا، هل هو تشبيه حقيقي ؟ أو ذهب به مذهب السعة العظيمة ؟ لما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في الغاية القصوى، إذ السموات والأرض أوسع ما علمه الناس من مخلوقاته وأبسطه، وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة، فعلى هذا لا يراد عرض ولا طول حقيقة قاله : الزجاج.
وتقول العرب : بلاد عريضة، أي واسعة.
وقال الشاعر :
| كأن بلاد الله وهي عريضة | على الخائف المطلوب كفة حابل |
قال ابن عباس وسعيد بن جبير : والجمهور تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب، فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله انتهى ولا ينكر هذا.
فقد ورد في الحديث في وصف الجنة وسعتها ما يشهد لذلك.
وأورد ابن عطية من ذلك أشياء في كتابه.
والجنة على هذا القول أكبر من السموات، وهي ممتدّة في الطول حيث شاء الله.
وخص العرض بالذكر لدلالته على الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على سعة العرض، إذ قد يكون العرض يسيراً كعرض الخيط.
وقال قوم : معناه كعرض السموات والأرض طباقاً، لا بأنْ تقرب كبسط الثياب.
فالجنة في السماء وعرضها كعرضها، وعرض ما وازاها من الأرضين إلى السابعة، وهذه دلالة على العظيم.
وأغنى ذكر العرض عن ذكر الطول.
وقال ابن فورك : الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة، وتقدم الكلام في الجنة أخلقت ؟ وهو ظاهر القرآن.
ونص الآثار الصحيحة النبوية أم لم تخلق بعدُ ؟ وهو قول : المعتزلة، ووافقهم من أهل بلادنا القاضي منذر بن سعيد.
وأما قول ابن فورك أنه يزاد فيها فيحتاج إلى صحة نقل عن النبي ﷺ.
وقال الكلبي : الجنان أربع : جنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.
كل جنة منها كعرض السماء والأرض، لو وصل بعضها ببعض ما علم طولها إلا الله.
وقال ابن بحر : هو من عرض المتاع على البيع، لا العرض المقابل للطول.
أي لو عورضت بها لساوها نصيب كل واحد منكم، وجاء إعدادها للمتقين فخصوا بالذكر تشريفاً لهم، وإعلاماً بأنهم الأصل في ذلك، وغيرهم تبع لهم في إعدادها.
وإن أريد بالمتقين متقو الشرك كان عاماً في كل مسلم طائع أو عاص.
من ذلك الاعتراض في : والله يحب المحسنين، وفي : ومن يغفر الذنوب إلا الله، وفي : والله لا يحب الظالمين.
وتسمية الشيء باسم سببه في : إلى مغفرة من ربكم.
والتشبيه في : عرضها السموات والأرض.
وقيل : هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة.
والطباق في : السرّاء والضرّاء، وفي : ولا تهنوا والأعلون، لأن الوهن والعلو ضدان. وفي آمنوا والظالمين، لأن الظالمين هنا هم الكافرون، وفي : آمنوا ويمحق الكافرين.
والعام يراد به الخاص في : والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك.
والتكرار في : واتقوا الله، واتقوا النار، وفي لفظ الجلالة، وفي والله يحب، وذكروا الله، وفي وليعلم الله، والله لا يحب، وليمحص الله، وفي الذين ينفقون، والذين إذا فعلوا.
والاختصاص في : يحب المحسنين، وفي : وهم يعلمون، وفي : عاقبة المكذبين، وفي : موعظة للمتقين، وفي : إن كنتم مؤمنين، وفي : لا يحب الظالمين، وفي : وليمحص الله الذين آمنوا، وفي : ويمحق الكافرين.
والاستعارة في : فسيروا، على أنه من سير الفكر لا القدم، وفي : وأنتم الأعلون، إذا لم تكن من علو المكان، وفي : تلك الأيام نداولها، وفي : وليمحص ويمحق، والإشارة في هذا بيان.
وفي : وتلك الأيام.
وإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في : إن كنتم مؤمنين، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع.