الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ : يجوزُ في محلِّه الألقابُ الثلاثةُ، فالجَرُّ على النعتِ أو البدلِ أو البيانِ، والنصبُ والرفعُ على القطعِ المُشْعِر بالمدح.
قوله :﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾ يجوزُ فيه الجَرُّ والنصبُ على ما تقدَّم فيما قبله. والكَظْمُ : الحَبْسُ. كَظَمَ غيظَه أي : حَبَسَه وكَظَم القِرْبة والسِّقاء : إذا شَدَّ فَمَوَيْهِما مانعاً من خروجِ ما فيهما، ومنه : الكِظامُ لِسَيْرٍ تُشَدُّ به القِرْبَةُ والسِّقاء كذلكَ. والكَظْمُ في الأصلِ : مَخْرَجُ النفس، يُقال : أخَذَ بَكَظْمِه أي : مَخْرَج نَفَسه. الكُظُوم : احتباسُ النَّفَس، ويُعَبَّر به عن السكون كقولهم :" فلان لا يتنفَّس ". والمَكْظُوم : الممتلِىءُ غيظاً وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلَّمَ ولا يُخْرِجَ نَفَسه، والكَظِيمُ : الممتلِىءُ أَسَفاً، قال أبو طالب :
فَحَضَضْتُ قومي واحتَسَبْتُ قتالَهموالقومُ من خوفِ المَنايا كُظَّمُ
وكَظَم البعيرُ : إذا ترك الاجترارَ من ذلك، ومنه قولُ الراعي :
وأفَضْنَ بعدَ كُظومِهِنَّ بِجِرَّةٍمِنْ ذي الأباطِحِ إذ رَعَيْنَ حَقِيلا
والحقيل : نبت، وقيل : موضع، فعلى الأول هو مفعولٌ به وعلى الثاني هو ظرف، ويكون قد شَذَّ عدمُ جرِّه ب " في " لأنه ظرفُ مكانٍ مختصٌّ، ويكون المفعولُ محذوفاً أي : إذ رَعَيْنَ الكَلأ في حَقيلٍ، ولا تَقْطَعُ الإِبلُ جِرَّتَها إلا عند الفزعِ، ومنه قولُ أعشى باهلة يصفُ رجلاً يُكْثِر نَحْرَ الإِبل :
قد تَكْظِمُ البُزْلُ منه حين تُبْصِرُهحتى تَقَطَّع في أَجْوافِها الجِرَرُ
والجِرَرُ جمعُ جِرَّة. الكِظامَةُ : حَلْقَةٌ من حديدٍ تكونُ في طرف الميزان تُجْمَعُ فيها خيوطه، وهي أيضاً السَّيْر الذي يُوصل بوتَرِ القوس، والكَظَائِمُ : خُروقٌ بين اليدين يَجْري منها الماءُ إلى الأخرى، كلُّ ذلك تشبيهاً بمَجْرى النفس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى