جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ﴾
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاء وَالضّرّاءِ﴾ أُعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مضعف على النهوض للجهاد في سبيل الله.
وأما قوله :﴿فِي السّرّاء﴾ فإنه يعني : في حال السرور بكثرة المال، ورخاء العيش والسرّاء : مصدر من قولهم سرّني هذا الأمر مسرّة وسرورا¹ والضراء : مصدر من قولهم : قد ضرّ فلان فهو يضرّ إذا أصابه الضرّ، وذلك إذا أصابه الضيق والجهد في عيشه.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاء وَالضّرّاءِ﴾ يقول : في العسر واليسر.
فأخبر جلّ ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها لمن اتّقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة وفي حال الضيق والشدة في سبيله.
وقوله :﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيُظَ﴾ يعني : والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه : كظم فلان غيظه : إذا تجرّعه فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باس تمكانها ممن غاظها وانتصارها ممن ظلمها. وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه : كظمتُ القربة : إذا ملأتها ماء، وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غمّا وحزنا، ومنه قول الله عزّ وجلّ، ﴿وابْيَضّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ يعني ممتلئ من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه الكظائم لامتلائها بالماء، ومن قيل : أخذت بكظمه يعني بمجاري نفسه. والغيظ : مصدر من قول القائل : غاظني فلان فهو يغيظني غيظا، وذلك إذا أحفظه وأغضبه.
وأما قوله :﴿وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ فإنه يعني : والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إليهم، وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.
وأما قوله ﴿واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ﴾ فإنه يعني : فإن الله يحبّ من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدّ للعاملين بها الجنة التي عرضها السموات والأرض. والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم هو عملهم بها. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاء وَالضّرّاءِ﴾. . . الآية :﴿وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ﴾ أي وذلك الإحسان، وأنا أحبّ من عمل به.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاء وَالضّرّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ﴾ : قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشرّ بالخير فليفعل، ولا قوّة إلا بالله، فنعمت والله يا ابن آدم الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ وأنت مظلوم.
حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال : حدثنا محمد بن بشر، قال : حدثنا محرز أبو رجاء، عن الحسن، قال : يقال يوم القيامة : ليقم من كان له على الله أجر ! فما يقوم إلا إنسان عفا. ثم قرأ هذه الاَية :﴿وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل، عن عمّ له، عن أبي هريرة في قوله :﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أن النبي ﷺ قال :«مَنْ كَظَمَ غَيْظا وَهُوَ يَقْدِرُ على إنْفَاذِهِ مَلأَهُ اللّهُ أمْنا وإيمانا ».
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿وَالكَاظِمِينَ الغَيُظَ﴾. . . إلى الاَية :﴿واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ﴾، فالكاظمين الغيظ كقوله :﴿وإذَا مَا غَضِبُوا هُمُ يَغْفِرُونَ﴾¹ يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حراما فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله¹ ﴿وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ كقوله :﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ﴾. . . إلى :﴿ألاَ تُحِبّونَ أن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ﴾ يقول : لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئا واعفوا واصفحوا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٧٨٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين"، أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي. (١)
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"الذين ينفقون في السراء والضراء"، أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله. (٢)
* * *
وأما قوله:"في السراء"، فإنه يعني: في حال السرور، بكثرة المال ورخاء العيش
* * *
(٢) في المطبوعة: "للجهاد"، بلامين، وأثبت ما في المخطوطة. والمضعف: الذي قد ضعفت دابته.
* * *
"والضراء" مصدر من قولهم:"قد ضُرّ فلان فهو يُضَرّ"، إذا أصابه الضُّر، وذلك إذا أصابه الضيق، والجهد في عيشه. (١)
* * *
٧٨٣٨- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"الذين ينفقون في السراء والضراء"، يقول: في العسر واليسر.
* * *
فأخبر جل ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها، لمن اتقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة، (٢) وفي حال الضيق والشدة، في سبيله.
* * *
وقوله:"والكاظمين الغيظ"، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه.
* * *
يقال منه:"كظم فلان غيظه"، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باس تمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.
وأصل ذلك من"كظم القربة"، يقال منه:"كظمتُ القربة"، إذا ملأتها ماء. و"فلان كظيمٌ ومكظومٌ"، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا. ومنه قول الله عز وجل، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [سورة يوسف: ٨٤] يعني: ممتلئ من الحزن. ومنه قيل لمجاري المياه:"الكظائم"، لامتلائها بالماء. ومنه قيل:"أخذت بكَظَمِه" يعني: بمجاري نفسه.
* * *
(٢) في المخطوطة: "في حال الرضا"، وكأنها صواب أيضًا.
* * *
وأما قوله:"والعافين عن الناس"، فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.
* * *
وأما قوله:"والله يحب المحسنين"، فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم"أحسنون"، وإحسانهم، هو عملهم بها،. كما:-
٧٨٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"الذين ينفقون في السراء والضراء" الآية:"والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به. (١)
٧٨٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله. فنِعْمت والله يا ابن آدم، الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ، وأنت مظلومٌ.
٧٨٤١- حدثني موسى بن عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا محرز أبو رجاء، عن الحسن قال: يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر. فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية:"والعافين عن الناس والله يحب المحسنين". (٢)
(٢) الأثر: ٧٨٤١-"موسى بن عبد الرحمن المسروقي" سلفت ترجمته برقم: ٣٣٤٥. و"محمد بن بشر بن الفرافصة العبدي" مضت ترجمته أيضًا برقم: ٤٥٥٧. و"محرز""أبو رجاء" هو"محرز بن عبد الله الجزري"، مولى هشام بن عبد الملك. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "كان يدلس عن مكحول".
٧٨٤٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"والكاظمين الغيظ" إلى"والله يحب المحسنين"، فـ"الكاظمين الغيظ" كقوله: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)
وأما عبد الجليل، الذي ذكر غير منسوب، إلا بأنه من أهل الشام -: فإنه مجهول. وعمه أشد جهالة منه.
وقد ذكره الذهبي في الميزان، والحافظ في اللسان، في ترجمة"عبد الجليل"، وقالا: "قال البخاري: لا يتابع عليه".
وترجمه ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٣، وقال: "روى عنه داود بن قيس. وقال بعضهم: عن داود ابن قيس، عن زيد بن أسلم". أي كمثل رواية الطبري هنا.
وهذا الإسناد ضعيف، لجهالة اثنين من رواته. وقد نقله ابن كثير ٢: ٢٤٤، عن عبد الرزاق، به.
ونقله السيوطي ٢: ٧١ - ٧٢، ونسبه لعبد الرزاق، والطبري وابن المنذر.
وذكره في الجامع الصغير: ٨٩٩٧، ونسبه لابن أبي الدنيا في ذم الغضب؛ ولم ينسبه لغيره، فكان عجبًا!!
وفي معناه حديثان، رواهما أبو داود: ٤٧٧٧، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه. و: ٤٧٧٨، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء الصحابة، عن أبيه.
وقد روى أحمد في المسند: ٦١١٤، عن علي بن عاصم، عن يونس بن عبيد، أخبرنا الحسن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ، يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى".
وهذا إسناد صحيح. ونقله ابن كثير ٢: ٢٤٤، من تفسير ابن مردويه. من طريق علي بن عاصم، عن يونس بن عبيد، به. ثم قال: "رواه ابن جرير. وكذا رواه ابن ماجه، عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد، به". فنسبه ابن كثير -في هذا الموضع- لرواية الطبري. ولم يقع إلينا فيه في هذا الموضع. فلا ندري: أرواه ابن جرير في موضع آخر، أم سقط هنا سهوًا من الناسخين؟ فلذلك أثبتناه في الشرح احتياطًا.