البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الكظم : الإمساك على غيظ وغم.
والكظيم : الممتلىء أسفار، وهو المكظوم.
وقال عبد المطلب :
فحضضت قومي واحتسبت قتالهموالقوم من خوف المنايا كظم
وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كان يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له.
ويقال : كظم القربة إذا شدّها وهي ملأى.
والكظام : السير الذي يشد به فمها.
وكظم البعير : جرته ردها في جوفه، أو حبسها قبل أن يرسلها إلى فيه.
ويقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا، ومنه قول الراعي :
فأفضن بعد كظومهن بجرةمن ذي الأباطح أذرعين حقيلا
الحقيل : موضع، والحقيل أيضاً نبت.
ويقال : لا تمنع الإبل جرتها إلا عند الجهد والفزع، فلا تجتر.
ومنه قول أعشى باهلة يصف نحار الإبل :
قد تكظم البذل منه حين تبصرهحتى تقطع في أجوافها الجرر
﴿الذين ينفقون في السراء والضراء﴾ قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : السراء اليسر، والضراء العسر.
وقال عبيد بن عمير والضحاك : الرخاء والشدّة.
وقيل : في الحياة، وبعد الموت بأن يوصي.
وقيل : في الفرح وفي الترح.
وقيل : فيما يسرّ كالنفقة على الولد والقرابة، وفيما يضر كالنفقة على الأعداء.
وقيل : في ضيافة الغني والإهداء إليه، وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدّق به عليهم.
وقيل : في المنشط والمكره.
ويحتمل التقييد بهاتين الحالتين، ويحتمل أن يعني بهما جميع الأحوال، لأن هاتين الحالتين لا يخلو المنفق أن يكون على إحداهما.
والمعنى : لا يمنعهم حال سرور ولا حال ابتلاء عن بذل المعروف.
وروي عن عائشة أنها تصدّقت بحبة عنب.
وعن بعض السلف ببصلة.
وابتدىء بصفة التقوى الشاملة لجميع الأوصاف الشريفة، ثم جيء بعدها بصفة البذل، إذ كانت أشق على النفس وأدل على الإخلاص.
وأعظم الأعمال للحاجة إلى ذلك في الجهاد، ومواساة الفقراء.
ويجوز في الدين الاتباعُ والقطعُ للرفع والنصب.
﴿والكاظمين الغيظ﴾ أي الممسكين ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، ولا يظهر له أثر، والغيظ : أصل الغضب، وكثيراً ما يتلازمان، ولذلك فسره بعضهم هنا بالغضب.
والغيظ فعل نفساني لا يظهر على الجوارح، والغضب فعل لها معه ظهور في الجوارح، وفعل مّا ولا بد، ولذلك أسند إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، ولا يسند الغيظ إليه تعالى.
ووردت أحاديث في كظم الغيظ وهو من أعظم العبادة.
وروي عنه ﷺ :« من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً » وعنه عليه السلام :« ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعة غيظ في الله » وعن عائشة أن خادماً لها غاظها فقالت : لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء.
وقال مقاتل : بلغنا أن رسول الله ﷺ قال في هذه الآية :« إن هذه في أمّتي لقليل وقد كانوا أكثر في الأمم الماضية » وأنشد أبو القاسم بن حبيب :
وإذا غضبت فكن وقوراً كاظماًللغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفاً تصبر ساعةيرضى بها عنك الإله ويدفع
﴿والعافين عن الناس﴾ أي الجناة والمسيئين.
وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع : المماليك.
وهذا مثال، إذ الأرقاء تكثر ذنوبهم لجهلهم وملازمتهم، وإنفاذ العقوبة عليهم سبيل للقدرة عليهم.
وقال الحسن : والكاظمين الغيظ عن الأرقاء، والعافين عن الناس إذا جهلوا عليهم.
ووردت أخبار نبوية في العفو منها :« ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فليدخلوا الجنة، فيقال : من ذا الذي أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا » ورواه أبو سفيان للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه.
ويجوز في الكاظمين والعافين القطع إلى النصب والاتباع، بشرط اتباع الذين ينفقون ﴿والله يحب المحسنين﴾ الألف واللام للجنس، فيتناول كل محسن.
أو للعهد فيكون ذلك إشارة إلى من تقدّم ذكره من المتصفين بتلك الأوصاف.
والأظهر الأول، فيعم هؤلاء وغيرهم.
وهذه الآية في المندوب إليه.
ألا ترى إلى حديث جبريل عليه السلام :« ما الإيمان » فبين له العقائد « ما الإسلام » ؟ فبين له الفرائض.
« ما الإحسان ؟ » قال :« أن تعبد الله كأنك تراه » والمعنى : أن الله يحب المحسنين، وهم الذين يوقعون الأعمال الصالحة، مراقبين الله كأنهم مشاهدوه.
وقال الحسن : الإحسان أن تعم ولا تخص، كالريح والمطر والشمس والقمر.
وقال الثوري : الإحسان أن تحسن إلى المسيء، فإنَّ الإحسان إليه مناجزة كنقد السوق، خذ مني وهات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من الفصاحة والبديع والبيان :
من ذلك الاعتراض في : والله يحب المحسنين، وفي : ومن يغفر الذنوب إلا الله، وفي : والله لا يحب الظالمين.
وتسمية الشيء باسم سببه في : إلى مغفرة من ربكم.
والتشبيه في : عرضها السموات والأرض.
وقيل : هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة.
والطباق في : السرّاء والضرّاء، وفي : ولا تهنوا والأعلون، لأن الوهن والعلو ضدان. وفي آمنوا والظالمين، لأن الظالمين هنا هم الكافرون، وفي : آمنوا ويمحق الكافرين.
والعام يراد به الخاص في : والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك.
والتكرار في : واتقوا الله، واتقوا النار، وفي لفظ الجلالة، وفي والله يحب، وذكروا الله، وفي وليعلم الله، والله لا يحب، وليمحص الله، وفي الذين ينفقون، والذين إذا فعلوا.
والاختصاص في : يحب المحسنين، وفي : وهم يعلمون، وفي : عاقبة المكذبين، وفي : موعظة للمتقين، وفي : إن كنتم مؤمنين، وفي : لا يحب الظالمين، وفي : وليمحص الله الذين آمنوا، وفي : ويمحق الكافرين.
والاستعارة في : فسيروا، على أنه من سير الفكر لا القدم، وفي : وأنتم الأعلون، إذا لم تكن من علو المكان، وفي : تلك الأيام نداولها، وفي : وليمحص ويمحق، والإشارة في هذا بيان.
وفي : وتلك الأيام.
وإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في : إن كنتم مؤمنين، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى