المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة، بقوله :﴿الذين ينفقون﴾ الآية، وظاهر هذه الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما :﴿في السراء والضراء﴾، معناه : في العسر واليسر.
قال القاضي : إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط وسرور النفس، ومع العسر الكراهية وضر النفس، وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له، والكظام : السير الذي يشد به فم الزق والقربة، وكظم البعير جرته(١) : إذا ردها في جوفه، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه، كظم، حكاه الزجّاج، فقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ومنه قول الراعي :[ الكامل ]
فَأَفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بجِرَّةٍ. . . من ذي الأباطح أذرعين حقيلا(٢)
و ﴿الغيظ﴾ : أصل الغضب، وكثيراً ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس ﴿الغيظ﴾ بالغضب وليس تحرير الأمر كذلك، بل ﴿الغيظ﴾ فعل النفس لا يظهر على الجوارح، والغضب حال لها معه ظهور في الجوارح وفعل ما ولا بد، ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله تعالى، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، ولا يسند إليه تعالى غيظ، وخلط ابن فورك في هذه اللفظة، ووردت في كظم الغيظ وملك النفس عند الغضب أحاديث، وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس، ومنه قوله عليه السلام< ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب>(٣)، ومنه قول النبي عليه السلام :( ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعة غيظ في الله ) (٤)، وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال :«من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمناً وإيماناً »(٥)، والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، وهذا حيث يجوز للإنسان ألا يعفو، وحيث يتجه حقه، وقال أبو العالية :﴿والعافين عن الناس﴾، يريد المماليك.
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخدمة، فهم مذنبون كثيراً، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر به، وذكر تعالى بعد ذلك أنه ﴿يحب المحسنين﴾، فعم هذه الوجوه وسواها من البر، وهذا يدلك على أن الآية في المندوب إليه، ألا ترى إلى سؤال جبريل عليه السلام، فقال : ما الإيمان ؟ ثم قال ما الإسلام ؟ فذكر له رسول الله ﷺ المفروضات، ثم قال له : ما الإحسان ؟ قال :( أن تعبد الله كأنك تراه ) (٦)، الحديث.
١ - الجرة بالكسر: ما يخرجه البعير للاجترار..
٢ - الراعي: هو عبيد بن حصين النميري تقدمت ترجمته. وأفاض البعير: دفع جرته من كرشته، وكظم كظوما: أمسك عن الجرة. قال ثعلب: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر عن هذا البيت فقلت: ذو الأبارق وحقيل: موضع واحد فأراد من ذي الأبارق إذ رعينه، يقول: كن أي الإبل كظوما من العطش، فلما ابتل ما في بطونها أفضن بجرة، والمعنى أنها إذا رعت حقيلا أفاضت بذي الأبارق. (معجم البلدان ٣/ ٣٠٧) ورواية البيت فيه:
وأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأبارق... بدلا من: ذي الأباطح..

٣ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم- عن أبي هريرة- (الجامع الصغير. ٢/٣٨٨)..
٤ - أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر (وهو حسن). (الجامع الصغير ٢/ ٤٤٠)..
٥ - أخرجه ابن أبي ليلى في ذم الغضب عن أبي هريرة، (وهو ضعيف). الجامع الصغير. (٢/٥٥٤) – هذا وهناك أخبار وأشعار كثيرة عن كظم الغيظ نذكر منها:
عن عائشة أن خادما لها غاظها فقالت: لله در التقوى، ما تركت لذي غيظ ثناء
وأنشد أبو القاسم ابن حبيب:
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ تُبصر ما تقول وتسمع.

٦ - أخرجه مسلم عن ابن عمر ١/٢٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى