جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ : أن الجنة التي وصف صفتها أعدت للمتقين، المنفقين في السرّاء والضرّاء، والذين إذا فعلوا فاحشة وجميع هذه النعوت من صفة المتقين الذين قال تعالى ذكره :﴿وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأرْضُ أُعِدّتْ للْمُتَقِينَ﴾.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، قال : سمعت الحسن قرأ هذه الآية :﴿الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ وَالكاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ﴾، ثم قرأ :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. . . إلى ﴿أجْرُ العامِلِينَ﴾ فقال : إن هذين النعتين لنعت رجل واحد.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ قال : هذان ذنبان : الفاحشة ذنب، وظلموا أنفسهم ذنب.
وأما الفاحشة فهي صفة لمتروك، ومعنى الكلام : والذين إذا فعلوا فعلة فاحشة. ومعنى الفاحشة : الفعلة القبيحة الخارجة عما أذن الله عزّ وجلّ فيه. وأصل الفحش القبح والخروج عن الحدّ والمقدار في كل شيء، ومنه قيل للطويل المفرط الطول : إنه لفاحش الطول، يراد به : قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن¹ ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد : كلام فاحش، وقيل للمتكلم به : أفحش في كلامه : إذا نطق بفحش. وقيل : إن الفاحشة في هذا الموضع معنّي بها الزنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا العباس بن عبد العظيم، قال : حدثنا حبان، قال : حدثنا حماد، عن ثابت، عن جابر :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ قال : زنى القوم وربّ الكعبة.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أما الفاحشة : فالزنا.
وقوله :﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ يعني به : فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قوله :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ قال : الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم.
وقوله :﴿ذَكَرُوا اللّهَ﴾ يعني بذلك ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه. ﴿فاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ يقول : فسألوا ربهم أن يستر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ اللّهُ﴾ يقول : وهل يغفر الذنوب : أي يعفو عن راكبها فيسترها عليه إلا الله ؟ ﴿وَلَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا﴾ يقول : ولم يقيموا على ذنوبهم التي أتوها، ومعصيتهم التي ركبوها ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يقول : لم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها، وهم يعلمون أن الله قد تقدّم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبة، من ركبها. وذكر أن هذه الاَية أنزلت خصوصا بتخفيفها ويسرها أُمّتَنا مما كانت بنو إسرائيل ممتحنة به من عظيم البلاء في ذنوبها.
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح : أنهم قالوا : يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه : اجدع أذنك، أجدع أنفك، افعل ! فسكت رسول الله ﷺ، فنزلت :﴿وَسارِعُوا إلى مغفرة مِنَ رَبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأرْض أُعِدّتْ للْمُتّقِينَ﴾. . . إلى قوله :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، فقال رسول الله ﷺ :«ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنَ ذَلِكَ ؟ » فقرأ هؤلاء الآيات.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني عمر أبي خليفة العبديّ، قال : حدثنا عليّ بن زيد بن جدعان، قال : قال ابن مسعود : كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا، أصبح مكتوبا على بابه الذنب وكفارته، فأعطينا خيرا من ذلك هذه الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، قال : لما نزلت :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سَواءً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بكى إبليس فزعا من هذه الاَية.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، قال : بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الاَية :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بكى.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي، قال : سمعت عليّ بن ربيعة، يحدث عن رجل من فزارة يقال له أسماء أو ابن أسماء، عن عليّ، قال : كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئا، نفعني الله بما شاء أن ينفعني، فحدثني أو بكر وصدق أبو بكر عن النبي ﷺ، قال :«ما مِنْ عَبْدٍ » قال شعبة : وأحسبه قال «مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبا ثم يَتَوضّأُ ثم يُصّلّي ركْعَتَيْنِ، ثم يَسْتَغْفِرُ الله لِذَلِكَ الذّنْبِ. . . » وقال شعبة : وقرأ إحدى هاتين الآيتين :﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، وحدثنا الفضل بن إسحاق، قال : حدثنا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن عليّ بن ربيعة الوالبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن عليّ بن أبي طالب قال : كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره، استحلفته، فإذا حلف لي صدقته¹ وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه قال : قال رسول الله ﷺ :«ما مِنْ رَجُلٍ يَذْنِبُ ذَنْبا ثُمّ يَتَوَضّأُ، ثُمّ يُصَلّي »، قال أحدهما :«رَكْعَتَيْنِ » وقال الآخر :«ثُمّ يُصَلّي وَيَسْتَغْفِرُ اللّهُ إلاّ غَفَرَ لَهُ ».
حدثنا الزبير بن بكار، قال : ثني سعد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه، عن جده عن عليّ بن أبي طالب أنه قال : ما حدثني أحد عن رسول الله ﷺ إلا سألته أن يقسم لي بالله لهو سمعه من رسول الله ﷺ إلا أبا بكر، فإنه كان لا يكذب. قال عليّ رضي الله عنه : فحدثني أبو بكر، أن رسول الله ﷺ قال :«ما مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبا ثُمّ يَقُومُ عِنْدَ ذِكْرِ ذَنْبِهِ فَيَتَوَضّأُ ثُمّ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْتَغْفِرُ اللّهَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ إلاّ غَفَرهُ اللّهُ لَهُ ».
وأما قوله ﴿ذَكَرُوا اللّهَ فاسْتَغْفرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فإنه كما بينا تأويله¹ وبنحو ذلك كان أهل التأويل يقولون.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، حدثنا ابن إسحاق :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ : أي إن أتوا فاحشة ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بمعصية ذكروا نهي الله عنها، وما حرّم الله عنها، فاستغفروا لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو.
وأما قوله :﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ اللّهُ﴾ فإن اسم الله مرفوع، ولا جحد قبله، وإنما يرفع ما بعده إلا باتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد، كقول القائل : ما في الدار أحد إلا أخوك¹ فأما إذا قيل : قام القوم إلا أباك، فإن وجه الكلام في الأب النصب. و «مَنْ » بصلته في قوله :﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنْوبَ إلاّ اللّهُ﴾ معرفة فإن ذلك إنما جاء رفعا، لأن معنى الكلام : وهل يغفر الذنوب أحد، أو ما يغفر الذنوب أحد إلا الله، فرفع ما بعد إلا من الله على تأويل الكلام، لا على لفظه.
وأما قوله :﴿وَلَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويل الإصرار ومعنى الكلمة¹ فقال بعضهم : معنى ذلك : لم يثبتوا على ما أتوا من الذنوب، ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَلَمْ يُصِرّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرّون الماضون قُدُما، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَلَمْ يِصِرّوا على مَا فعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال : قُدُما قُدُما في معاصي الله، لا ينهاهم مخافة الله حتى جاءهم أمر الله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿لا يَصِرّوا على ما فَعَلُوا وَهُم يَعْلَمُونَ﴾ : أي لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي فيما عملوا به من كفر بي.
وقال آخرون : معنى ذلك : لم يواقعوا الذنب إذا هموا به. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله :﴿ولَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا﴾ قال : إتيان العبد ذنبا إصرارا حتى يتوب.
حدثني محمد عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :﴿وَلَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا﴾ قالوا : لم يواقعوا.
وقال آخرون : معنى الإصرار : السكوت على الذنب، وترك الاستغفار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿ولم يُصِرّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ : أما يصرّوا : فيسكتوا ولا يستغفروا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا قول من قال : الإصرار الإقامة على الذنب عامدا، أو ترك التوبة منه. ولا معنى لقول من قال : الإصرار على الذنب : هو مواقعته¹ لأن الله عزّ وجلّ مدح بترك الإصرار على الذنب مواقع الذنب، فقال :﴿وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ اللّهُ ولَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾¹ ولو كان المواقع الذنب مصرا بمواقعته إياه، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم، لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه وجه. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال :«ما أصَرّ مَنِ اسْتَغْف