البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
السنة : الطريقة.
وقال المفضل : الأمة وأنشد :
ما عاين الناس من فضل كفضلكمولا رؤى مثله في سالف السنن
وسنة الإنسان الشيء الذي يعمله ويواليه، كقول خالد الهذلي لأبي ذؤيب :
فلا تجزعن من سنة أنت سرتهافأول راض سنة من يسيرها
وقال سليمان بن قتيبة :
وإن الألى بالطف من آل هاشمتأسوا فسنوا للكرام التأسيا
وقال لبيد :
من أمة سنت لهم آباؤهمولكل قوم سنة وإمامها
وقال الخليل : سن الشيء صورة.
والمسنون المصور، وسن عليهم شراً صبه، والماء والدرع صبهما.
واشتقاق السنة يجوز أن يكون من أحد هذين المعنيين، أو من سن السنان والنصل حدهما على المسن، أو من سن الإبل إذا أحسن رعيها.
السير في الأرض : الذهاب.
﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ الخطاب للمؤمنين، والمعنى : أنه إنْ ظهر عليكم الكفار يوم أحد فإن حسن العاقبة للمتقين، وإنْ أديل الكفار فالعاقبة للمؤمنين.
وكذلكم كفاركم هؤلاء عاقبتهم إلى الهلاك.
وقال النقاش : الخطاب للكفار لقوله بعد ﴿ولا تهنوا﴾ ولما ذكر تعالى الجمل المعترضة في قصة أحد عاد إلى كمالها، فخاطبهم بأنه إنْ وقعت إدالة الكفار فالعاقبة للمؤمنين.
والمعنى : قد تقدّمت ومضت.
وقال الزجاج : أهل سنن أي طرائق أو أمم، على شرح المفضل أنّ السنة الأمة.
وقال الحسن : سنة أقضية في إهلاك الأمم السالفة عاد وثمود وغيرهم.
وقال ابن زيد : أمثال.
وقال ابن عباس : وقائع وطلب السير في الأرض، وإن كانت أحوال من تقدّم تدرك بالأخبار دون السير.
لأن الأخبار إنما تكون ممن سار وعاين، وعنه ينقل : فطلب منه الوجه الأكمل إذ للمشاهدة أثر أقوى من أثر السماع.
وقيل : السير هنا مجاز عن التفكر، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
وقال الجمهور : النظر هنا من نظر العين.
وقال قوم : هو بالفكر.
والجملة الاستفهامية في موضع المفعول لانظروا لأنها معلقة وكيف في موضع نصب خبر كان.
والمعنى : ما سنة الله في الأمم المكذبين من وقائعه كما قال تعالى :﴿فكلاًّ أخذنا بذنبه﴾ ﴿وقتلوا تقتيلاً سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾
وفي هذه الآية دلالة على جواز السفر في فجاج الأرض للاعتبار، ونظر ما حوت من عجائب مخلوقات الله تعالى، وزيارة الصالحين وزيارة الأماكن المعظمة كما يفعله سيّاح هذه الملة، وجواز النظر في كتب المؤرخين لأنها سبيل إلى معرفة سير العالم وما جرى عليهم من المثلاث.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من الفصاحة والبديع والبيان :
من ذلك الاعتراض في : والله يحب المحسنين، وفي : ومن يغفر الذنوب إلا الله، وفي : والله لا يحب الظالمين.
وتسمية الشيء باسم سببه في : إلى مغفرة من ربكم.
والتشبيه في : عرضها السموات والأرض.
وقيل : هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة.
والطباق في : السرّاء والضرّاء، وفي : ولا تهنوا والأعلون، لأن الوهن والعلو ضدان. وفي آمنوا والظالمين، لأن الظالمين هنا هم الكافرون، وفي : آمنوا ويمحق الكافرين.
والعام يراد به الخاص في : والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك.
والتكرار في : واتقوا الله، واتقوا النار، وفي لفظ الجلالة، وفي والله يحب، وذكروا الله، وفي وليعلم الله، والله لا يحب، وليمحص الله، وفي الذين ينفقون، والذين إذا فعلوا.
والاختصاص في : يحب المحسنين، وفي : وهم يعلمون، وفي : عاقبة المكذبين، وفي : موعظة للمتقين، وفي : إن كنتم مؤمنين، وفي : لا يحب الظالمين، وفي : وليمحص الله الذين آمنوا، وفي : ويمحق الكافرين.
والاستعارة في : فسيروا، على أنه من سير الفكر لا القدم، وفي : وأنتم الأعلون، إذا لم تكن من علو المكان، وفي : تلك الأيام نداولها، وفي : وليمحص ويمحق، والإشارة في هذا بيان.
وفي : وتلك الأيام.
وإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في : إن كنتم مؤمنين، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى