جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ﴾
يعني بقوله تعالى ذكره :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود، وقوم هود، وقوم لوط وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم سنن، يعني ثلاث سير بها فيهم وفيمن كذبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهل التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، ونزلت بساحتهم نقمتي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالاً وعبرا. ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذّبِينَ﴾ يقول : فسيروا أيها الظانون أن إدالتي من أدلت من أهل الشرك يوم أُحد على محمد وأصحابه لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفر برسلي، وخالف أمري في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذّبون برسولي، والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه عن خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال، ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر، قال : حدثنا عباد، عن الحسن في قوله :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عَاقِبَةُ المُكَذّبين﴾ فقال : ألم تسيروا في الأرض، فتنظروا كيف عذّب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله عزّ وجلّ ؟
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ يقول : في الكفار والمؤمنين، والخير والشر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ في المؤمنين والكفار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم يعني بالمسلمين يوم أحد والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم، وتعريفا لهم فيما صنعوا وما هو صانع بهم :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ المُكذّبِينَ﴾ أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي : عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروا مُثلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك مني، وإن أمكنت لهم : أي لئلا يظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوّهم وعدّوي للدولة التي أدلتها عليكم بها¹ لأبتليكم بذلك، لأعلم ما عندكم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكذّبِينَ﴾ يقول : متعهم في الدنيا قليلاً، ثم صيرهم إلى النار.
وأما السنن، فإنها جمع سُنّة، والسنّة، هي المثال المتبع، والإمام الموتمّ به، يقال منه : سنّ فلان فينا سنة خمسة، وسنّ سنة سيئة : إذا عمل عملاً اتبع عليه من خير وشرّ، ومنه قول لبيد ابن ربيعة :
| مِنْ مَعْشَرٍ سَنّتْ لَهُمْ آباؤُهُمْ | ولِكُلّ قَوْمٍ سُنّةٌ وإمامُها |
| وإنّ الأُلَى بالطّفّ منْ آلِ هاشمٍ | تَآسَوْا فَسَنّوا للْكِرَامِ التّآسيا |
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ قال : أمثال.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"قد خلت من قبلكم سنن"، مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، (١) يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم (٢) = "سنن"، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلتُ بساحتهم نِقَمي، (٣) فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا ="فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانَ عاقبه المكذبين"، يقول: فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، (٤) وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم.
(٢) "سلاف" على وزن"جهال" جمع"سلف"، وجمعه أيضًا"أسلاف"، والسلاف: المتقدمون من الآباء الذين مضوا.
(٣) في المطبوعة: "نقمتي"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) في المطبوعة: "عن خلافهم أمري"، وهي في المخطوطة"عب" غير منقوطة، فلم يحسن الناشر قراءتها، وغب الأمر: عاقبته وآخرته.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٧- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، فقال: ألم تسيروا في الأرض فتنظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقومَ صالح، والأممَ التي عذَّب الله عز وجل؟
٧٨٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن"، يقول: في الكفار والمؤمنين، والخير والشرّ.
٧٨٦٩- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قد خلت من قبلكم سنن"، في المؤمنين والكفار.
٧٨٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم = يعني بالمسلمين يوم أحد = والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفًا لهم فيما صنعوا، وما هو صانع بهم:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: (١) عادٍ وثمودَ وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروْا مثُلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك
٧٨٧١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبه المكذبين"، يقول: متَّعهم في الدنيا قليلا ثم صيرَّهم إلى النار.
* * *
قال أبو جعفر: وأما"السنن" فإنها جمع"سنَّة"،"والسُّنَّة"، هي المثالُ المتبع، والإمام المؤتمُّ به. يقال منه:"سنّ فلان فينا سُنة حسنة، وسنّ سُنة سيئة"، إذا عمل عملا اتبع عليه من خير وشر، ومنه قول لبيد بن ربيعة:
| مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آباؤُهُمْ | وَلِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وَإِمَامُهَا (٦) |
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "إن أمكنت لهم"، والصواب من ابن هشام. والإملاء: الإمهال والاستدراج.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "عن عدوهم وعدوي"، والصواب من ابن هشام، وهو مقتضى سياق الضمائر في عبارته.
(٤) الإدالة الغلبة. يقال: "أديل لنا على عدونا"، أي نصرنا عليهم، و"أدلني على فلان"، أي: انصرني عليه. والدولة (بضم الدال، وبفتحها وسكون الواو) : الانتقال من حال إلى حال في الحرب وغيرها. وانظر ما سيأتي في تفسير ذلك بعد قليل ص: ٢٣٩.
(٥) الأثر: ٧٨٧٠- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٧٨٦٦.
(٦) من معلقته البارعة، يذكر قومه وفضلهم، والبيت متعلق بقوله قبل:
| إِنّا إِذَا التَقَتِ المَجَامِعُ لم يَزَلْ | مِنَّا لِزَازُ عَظِيمَةٍ جَشّامُهَا |
| وَمُقَسِّمٌ يُعْطِى العَشِيرَةَ حَقّهَا | ومُغَذْمِرٌ لِحقوقِها هَضّامُها |
| فَضْلا وَذُو كَرَمٍ يعِين عَلَى النَّدَى | سَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنّامُهَا |
يقول: هذه العادة سنة وطريقة قد توارثناها، ولكل سنة إمام قد تقدم الناس فيها فاتبعوه، فنحن أهل الفضل القديم الذي ابتدعته أوائلنا للناس.