جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿هََذَا بَيَانٌ لّلنّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتّقِينَ﴾
اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بهذا، فقال بعضهم : عَنَى بقوله هذا : القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، قال : ثنا : عباد، عن الحسن في قوله :﴿هَذَا بَيانٌ للنّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتّقِينَ﴾ قال : هذا القرآن.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة. قوله :﴿هَذَا بَيانٌ للنّاسِ﴾ وهو هذا القرآن جعله الله بيانا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خصوصا.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال في قوله :﴿هَذَا بَيانٌ للنّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتّقِينَ﴾ خاصة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج في قوله :﴿هَذَا بَيانٌ للنّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتّقِينَ﴾ خاصة.
وقال آخرون : إنما أشير بقوله هذا إلى قوله :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذّبِينَ﴾ ثم قال : هذا الذي عرفتكم يا معشر أصحاب محمد بيان للناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بذلك.
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال : قوله هذا إشارة إلى ما تقدّم هذه الآية من تذكير الله جلّ ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته، والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم، لأن قوله هذا إشارة إلى حاضر، إما مرئي، وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة. فمعنى الكلام : هذا الذي أوضحت لكم وعرّفتكموه، بيان للناس¹ يعني بالبيان : الشرح والتفسير. كما
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿هَذَا بَيانٌ للنّاسِ﴾ أي هذا تفسير للناس إن قبلوه.
حدثنا أحمد بن حازم والمثنى، قالا : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي :﴿هَذَا بَيانٌ للنّاسِ﴾ قال : من العَمَى.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن الشعبي، مثله.
وأما قوله :﴿وهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ فإنه يعني بالهدى : الدلالة على سبيل الحقّ ومنهج الدين، وبالموعظة : التذكرة للصواب والرشاد. كما :
حدثنا أحمد بن حازم والمثنى، قالا : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي :﴿وَهُدًى﴾ قال : من الضلالة، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ من الجهل.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن بيان، عن الشعبي مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿للْمُتّقِينَ﴾ : أي لمن أطاعني وعرف أمري.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
| وَإنَّ الألَى بالطَفِّ مِنْ آل هَاشِم | تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلكِرَامِ التَّآسِيَا (٢) |
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
٧٨٧٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن"، قال: أمثالٌ.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بـ"هذا".
فقال بعضهم: عنى بقوله"هذا"، القرآن.
*ذكر من قال ذلك:
٧٨٧٣- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا
| وَقَدْ يَحْرِمُ الله الفَتَى وَهْوَ عَاقِلٌ | وَيُعْطِى الفَتَى مَالا وَلَيْس له عَقْلُ |
(٢) تاريخ الطبري ٧: ١٨٤، وأنساب الأشراف ٥: ٣٣٩، وأمالي الشجري ١: ١٣١، واللسان (أسى)، وغيرها. وهذا البيت، أنشده مصعب بن الزبير قبل مقتله، فعلم الناس أن لا يريم حتى يقتل. و"الطف": أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها كان مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وقوله: "تآسوا"، صار بعضهم أسوة لبعض في الصبر على المصير إلى الموت بلا رهبة ولا فرق.
٧٨٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة. قوله:"هذا بيان للناس"، وهو هذا القرآن، جعله الله بيانًا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خصوصًا.
٧٨٧٥- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال في قوله:"هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، خاصةً.
٧٨٧٦- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج في قوله:"هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، خاصةً.
* * *
وقال آخرون: إنما أشير بقوله"هذا"، إلى قوله:"قد خلت من قبلكم سُنن فسيروا في الأرض فانظرُوا كيف كان عاقبه المكذبين"، ثم قال: هذا الذي عرَّفتكم، يا معشر أصحاب محمد، بيان للناس.
*ذكر من قال ذلك:
٧٨٧٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بذلك.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: قوله:"هذا"، إشارةٌ إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضِّهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم. لأن قوله:"هذا"، إشارة إلى حاضر: إما مرئيّ وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة.
فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحتُ لكم وعرفتكموه، بيانٌ للناس = يعني بـ"البيان"، الشرح والتفسير، كما:-
٧٨٧٩- حدثنا أحمد بن حازم والمثني قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي:"هذا بيان للناس"، قال: من العَمى.
٧٨٨٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الشعبي، مثله.
* * *
وأما قوله:"وهدى وموعظة"، فإنه يعني بـ"الهدى"، الدلالةَ على سبيل الحق ومنهج الدين = وبـ"الموعظة"، التذكرة للصواب والرشاد، (٢) كما:-
٧٨٨١- حدثنا أحمد بن حازم والمثني قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي:"وهدى"، قال: من الضلالة ="وموعظة"، من الجهل.
٧٨٨٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن بيان، عن الشعبي مثله.
٧٨٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"للمتقين"، أي: لمن أطاعني وعرَف أمري. (٣)
* * *
(٢) انظر تفسير: "الهدى" فيما سلف، من فهارس اللغة = وتفسير"الموعظة"، فيما سلف ٢: ١٨٠ / ٦: ١٤.
(٣) الأثر: ٧٨٨٣- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٧٨، والظاهر أنه قد سقط من نص ابن إسحاق، ما أثبته ابن هشام في تفسير هذه الآية، وهو قوله قبل الذي رواه أبو جعفر: أي: "نور وأدب للمتقين". أما ما رواه أبو جعفر فهو تفسير قوله: "للمتقين"، وهو في هذا الموضع يفسر"الهدى"، و"الموعظة".