اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
الأصل : تُوْهِنوا، فحُذِفت الواو ؛ لوقوعها بين تاء وكسرة في الأصل، ثم أجْريت حروف المضارعة مُجْراها في ذلك، ويقال : وَهَنَ - بالفتح في الماضي - يَهِنُ - بالكسر في المضارع.
ونُقِلَ أنه يُقال : وَهُن، ووَهِنَ - بضم الهاء وكسر في الماضي - و " وَهَنَ " يُستعمل لازماً ومتعدياً، تقول : وَهَنَ زيدٌ، أي : ضَعُفَ، قال تعالى :﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، ووَهَنْتُه وأضعفته، ومنه الحديث :" وَهَنْتُهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ (١) "، والمصدر على الوهَن - بفتح الهاء وسكونها.
وقال زهير :[ البسيط ]
. . . *** فَأصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِناً خَلَقَا(٢)
أي : ضعيفاً.
قوله :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ جملة حالية من فاعل ﴿تَهِنُوا﴾، أو ﴿تَحْزَنُوا﴾، والاستئناف فيها غير ظاهر، و ﴿الأَعْلَوْنَ﴾ جمع أعْلَى، والأصل : أعْلَيَوْنَ، فتحرَّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقُلبَت ألفاً فحُذِفت لالتقاء الساكنين، وبقيَت الفتحةُ لتدلَّ عليها.
وإن شئت قُلْتَ : استثقلت الضمةُ على الياء، فحُذِفت، فالتقى ساكنان أيضاً - الياء والواو - فحُذِفتَ الياء ؛ لالتقاء الساكنين، وإنَّما احتجنا إلى ذلك ؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموماً، لفظاً، أو تقديراً. وهذا من مثال التقدير.
اعلم أن الآياتِ المتقدمة، كالمقدمة لهذه الآية، كأنه قال : إن بحثتم عن أحوال القرون الماضية، علمتم أن أهل الباطل، وإن اتفقت لهم [ الصَّولة ]، فمآل أمْرهم إلى الضَّعْف، ومآل أهل الحق إلى العُلُو والقوة، فلا ينبغي أن تصير صَولَةُ الكفَّار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلوبكم، وهذا حَثٌّ لأصحاب النبي ﷺ على الجهاد على ما أصابهم من القتل، والجراح يوم أُحُد، يقول :﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾ أي : لا تضعُفوا ولا تجبنُوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، ﴿وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي : تكون لكم العاقبة بالنصر والظَّفَر، وهذا مناسب لما قبله، لأن القومَ انكسرت قلوبُهم بذلك الوَهْن، فكانوا محتاجين إلى ما يُقَوِّي قلوبهم.
وقيل :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي : أن حالكم أعلى من حالهم في القتل، لأنكم أصَبْتُم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أُحُد، وهو كقوله :﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] أو لأن قتالكم لله تعالى، وقتالهم للشيطان ؛ أو لأن قتالكم للدين الحق، وقتالهم للدين الباطل، فكل ذلك يُوجِب أن تكونوا أعْلَى حالاً منهم.
وقيل :" وأنتم الأعلون بالحجة ".
قوله :﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ جوابه محذوف.
فقيل : تقديره : فلا تَهِنُوا ولا تحزنوا.
وقيل : تقديره : إن كنتم مؤمنين علمتم أن هذه الموقعةَ لا تَبْقَى بحالها، وأن الدولة تصير للمسلمين.
معنى :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي : بقيتم على إيمانكم.
وقيل : وأنتم الأعلون فكونوا مصدِّقين بما يَعِدُكم الله، ويُبَشِّركم به من الغَلَبَة.
وقيل : إن كنتم مؤمنين، معناه : إذا كنتم مؤمنين، أي : لأنكم مؤمنون.
وقال ابنُ عباس :" انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشعب، فأقبل خالدُ بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يَعْلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ ﷺ :" اللهم لا يَعْلُونَّ عَلَيْنَا، اللهُمَّ لا قُوَّةَ إلاَّ بِكَ "، وثاب نَفَرٌ من المسلمين، رُماة، فصعدوا الجبل ورموا خَيْلَ المشركين، حتى هزموهم، فذلك قوله :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ " (٣).
وقال الكلبيُّ : نَزَلَتْ هذه الآية بعد يوم أُحُد، حين أمر النبي ﷺ أصحابه بطلب القوم - مع ما أصابهم من الجراح - فاشتدَّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية(٤) ؛ دليله قوله تعالى :﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤].
ونُقِلَ أنه يُقال : وَهُن، ووَهِنَ - بضم الهاء وكسر في الماضي - و " وَهَنَ " يُستعمل لازماً ومتعدياً، تقول : وَهَنَ زيدٌ، أي : ضَعُفَ، قال تعالى :﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، ووَهَنْتُه وأضعفته، ومنه الحديث :" وَهَنْتُهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ (١) "، والمصدر على الوهَن - بفتح الهاء وسكونها.
وقال زهير :[ البسيط ]
. . . *** فَأصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِناً خَلَقَا(٢)
أي : ضعيفاً.
قوله :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ جملة حالية من فاعل ﴿تَهِنُوا﴾، أو ﴿تَحْزَنُوا﴾، والاستئناف فيها غير ظاهر، و ﴿الأَعْلَوْنَ﴾ جمع أعْلَى، والأصل : أعْلَيَوْنَ، فتحرَّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقُلبَت ألفاً فحُذِفت لالتقاء الساكنين، وبقيَت الفتحةُ لتدلَّ عليها.
وإن شئت قُلْتَ : استثقلت الضمةُ على الياء، فحُذِفت، فالتقى ساكنان أيضاً - الياء والواو - فحُذِفتَ الياء ؛ لالتقاء الساكنين، وإنَّما احتجنا إلى ذلك ؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموماً، لفظاً، أو تقديراً. وهذا من مثال التقدير.
فصل
اعلم أن الآياتِ المتقدمة، كالمقدمة لهذه الآية، كأنه قال : إن بحثتم عن أحوال القرون الماضية، علمتم أن أهل الباطل، وإن اتفقت لهم [ الصَّولة ]، فمآل أمْرهم إلى الضَّعْف، ومآل أهل الحق إلى العُلُو والقوة، فلا ينبغي أن تصير صَولَةُ الكفَّار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلوبكم، وهذا حَثٌّ لأصحاب النبي ﷺ على الجهاد على ما أصابهم من القتل، والجراح يوم أُحُد، يقول :﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾ أي : لا تضعُفوا ولا تجبنُوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، ﴿وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي : تكون لكم العاقبة بالنصر والظَّفَر، وهذا مناسب لما قبله، لأن القومَ انكسرت قلوبُهم بذلك الوَهْن، فكانوا محتاجين إلى ما يُقَوِّي قلوبهم.
وقيل :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي : أن حالكم أعلى من حالهم في القتل، لأنكم أصَبْتُم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أُحُد، وهو كقوله :﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] أو لأن قتالكم لله تعالى، وقتالهم للشيطان ؛ أو لأن قتالكم للدين الحق، وقتالهم للدين الباطل، فكل ذلك يُوجِب أن تكونوا أعْلَى حالاً منهم.
وقيل :" وأنتم الأعلون بالحجة ".
قوله :﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ جوابه محذوف.
فقيل : تقديره : فلا تَهِنُوا ولا تحزنوا.
وقيل : تقديره : إن كنتم مؤمنين علمتم أن هذه الموقعةَ لا تَبْقَى بحالها، وأن الدولة تصير للمسلمين.
فصل
معنى :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي : بقيتم على إيمانكم.
وقيل : وأنتم الأعلون فكونوا مصدِّقين بما يَعِدُكم الله، ويُبَشِّركم به من الغَلَبَة.
وقيل : إن كنتم مؤمنين، معناه : إذا كنتم مؤمنين، أي : لأنكم مؤمنون.
وقال ابنُ عباس :" انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشعب، فأقبل خالدُ بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يَعْلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ ﷺ :" اللهم لا يَعْلُونَّ عَلَيْنَا، اللهُمَّ لا قُوَّةَ إلاَّ بِكَ "، وثاب نَفَرٌ من المسلمين، رُماة، فصعدوا الجبل ورموا خَيْلَ المشركين، حتى هزموهم، فذلك قوله :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ " (٣).
وقال الكلبيُّ : نَزَلَتْ هذه الآية بعد يوم أُحُد، حين أمر النبي ﷺ أصحابه بطلب القوم - مع ما أصابهم من الجراح - فاشتدَّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية(٤) ؛ دليله قوله تعالى :﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤].
١ أخرجه البخاري كتاب الحج ب ٥٥، كتاب المغازي ب ٤٣ ومسلم كتاب الحج رقم ٢٤٠ وأبو داود كتاب المناسك ب ٥٠ والنسائي كتاب المناسك ٥٥ وأحمد (١/٢٩٠، ٢٩٥، ٣٠٦، ٣٧٣)..
٢ عجز بيت والبيت بتمامه:
ينظر ديوانه (٣٤) وأشعار الشعراء الجاهيين ١/٣٠٣ والبحر المحيط ٣/٦١ والدر المصون ٢/٢١٤..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٣٦) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
وأخرجه أيضا (٧/٢٣٤) عن ابن جريج وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٤٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٣٤) عن الزهري..
٢ عجز بيت والبيت بتمامه:
| وأخلقتك ابنة البكري ما وعدت | فأصبح الحبل منها واهنا خلقا |
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٣٦) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
وأخرجه أيضا (٧/٢٣٤) عن ابن جريج وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٤٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٣٤) عن الزهري..