البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وهن الشيء ضعف، ووهنه الشيء أضعفه.
يكون متعدياً ولازماً.
وفي الحديث :« وهنتهم حمى يثرب والوهن » والوهن الضعف.
وقال زهير :
فأصبح الحبل منها واهناً خلقا ***
﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾.
لمّا انهزَم مَن انهزم من المؤمنين أقبل خالدٌ يريد أنْ يعلوَ الجبل، فقال رسول الله ﷺ :« لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك » فنزلت قاله : ابن عباس.
وزاد الواقدي : أنّ رماة المسلمين صعدوا الجبل ورموا بحبل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله :﴿وأنتم الأعلون﴾.
وقال القرطبي : وأنتم الغالبون بعد أحد، فلم يخرجوا بعد ذلك إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه السلام، وفي كل عسكر كان بعدُ ولو لم يكن فيه إلاّ واحدٌ من الصحابة.
وقال الكلبي : نزلت بعد أحد حين أمروا بطلب القوم مع ما أصابهم من الجراح.
وقال : لا يخرج إلاّ من شهد معنا أمس، فاشتدّ ذلك على المسلمين فنزلت.
نهاهم عن أن يضعفوا عن جهاد أعدائهم، وعن الحزن على من استشهد من إخوانهم، فإنّهم صاروا إلى كرامة الله قاله : ابن عباس.
أو لأجل هزيمتهم وقتلهم يوم أحد قاله : مقاتل.
أو لما أصاب النبي ﷺ من شجّه وكسر رباعيته ذكره : الماوردي.
أو لما فات من الغنيمة ذكره : أحمد النيسابوري.
أو لمجموع ذلك.
وآنسهم بقوله : وأنتم الأعلون، أي الغالبون وأصحاب العاقبة.
وهو إخبار بعلو كلمة الإسلام قاله : الجمهور، وهو الظاهر.
وقيل :﴿أنتم الأعلون﴾، أي قد أصبتم ببدر ضعف ما أصابوا منكم بأحد أسراً وقتلاً فيكونُ وأنتم الأعلون نصباً على الحال، أي لا تحزنوا عالين أي منصورين على عدوكم انتهى.
وأما كونُه من علوهم الجبل كما أشير إليه في سبب النزول فروي ذلك عن ابن عباس وابن جبير.
قال ابن عطية : ومن كرم الخلق أن لا يهن الإنسان في حربه وخصامه، ولا يلين إذا كان محقاً، وأن يتقصى جميع قدرته، ولا يضرع ولو مات.
وإنما يحسن اللين في السلم والرضا، ومنه قوله عليه السلام :« المؤمن هين لين والمؤمنون هينون لينون » وقال منذر بن سعيد : يجب بهذه الآية ألا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة وشوكة، فإن كانوا في قطر مّا على غير ذلك فينظر الإمام لهم في الأصلح انتهى.
وفي قوله : وأنتم الأعلون دلالة على فضيلة هذه الأمة، إذ خاطبهم مثل ما خاطب موسى كليمه ﷺ على نبينا وعليه، إذ قال له : لا تخف إنك أنت الأعلى.
وتعلق قوله : إن كنتم مؤمنين بالنهي، فيكون ذلك هزاً للنفوس يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله، وقلة المبالاة بالأعداء.
أو بالجملة الخبرية : أي إنْ صدقتم بما وعدكم وبشركم به من الغلبة.
ويكون شرطاً على بابه يحصل به الطعن على من ظهر نفاقه في ذلك اليوم، أي : لا تكون الغلبة والعلو إلا للمؤمنين، فاستمسكوا بالإيمان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من الفصاحة والبديع والبيان :
من ذلك الاعتراض في : والله يحب المحسنين، وفي : ومن يغفر الذنوب إلا الله، وفي : والله لا يحب الظالمين.
وتسمية الشيء باسم سببه في : إلى مغفرة من ربكم.
والتشبيه في : عرضها السموات والأرض.
وقيل : هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة.
والطباق في : السرّاء والضرّاء، وفي : ولا تهنوا والأعلون، لأن الوهن والعلو ضدان. وفي آمنوا والظالمين، لأن الظالمين هنا هم الكافرون، وفي : آمنوا ويمحق الكافرين.
والعام يراد به الخاص في : والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك.
والتكرار في : واتقوا الله، واتقوا النار، وفي لفظ الجلالة، وفي والله يحب، وذكروا الله، وفي وليعلم الله، والله لا يحب، وليمحص الله، وفي الذين ينفقون، والذين إذا فعلوا.
والاختصاص في : يحب المحسنين، وفي : وهم يعلمون، وفي : عاقبة المكذبين، وفي : موعظة للمتقين، وفي : إن كنتم مؤمنين، وفي : لا يحب الظالمين، وفي : وليمحص الله الذين آمنوا، وفي : ويمحق الكافرين.
والاستعارة في : فسيروا، على أنه من سير الفكر لا القدم، وفي : وأنتم الأعلون، إذا لم تكن من علو المكان، وفي : تلك الأيام نداولها، وفي : وليمحص ويمحق، والإشارة في هذا بيان.
وفي : وتلك الأيام.
وإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في : إن كنتم مؤمنين، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى