تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( قد كان لكم آية ) أي : معجزة وعلامة، ( في فئتين ) في فرقتين ( التقتا ) اجتمعتا، من الالتقاء : وهو الاجتماع، ومنه :" يوم التلاق " ؛ لأنه يجتمع فيه أهل السماء وأهل الأرض ( فئة تقاتل في سبيل الله ) يعني : المسلمين يوم بدر ( وأخرى كافرة ) يعني المشركين ( يرونهم مثليهم رأى العين ) يعني المسلمين رأو المشركين مثلى عددهم، وكانوا ثلاثة أمثالهم ؛ لأن عدد المسلمين يوم بدر كان ثلثمائة وثلاثة عشر نفرا أو أربعة عشر نفرا، وكان عدد المشركين تسعمائة وخمسين نفرا، وعن علي وابن مسعود : أن عدد المشركين كانوا ألفا، فرآهم المسلمون نيفا وستمائة. قال ابن مسعود : رأيناهم ضعفى عددنا، ثم رأيناهم مثل عددنا ؛ رجل [ برجل ] (١) وهذا معنى قوله تعالى في سورة الأنفال ( وإذ يريكهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) (٢) فرآهم المسلمون أقل من عددهم، وكذلك المشركون رأوا المسلمين أقل من عددهم، وكانت الحكمة فيه إذا رأوهم أقل مما كانوا لا يحجمون، ولا يفترون عن القتال ؛ لأن الله تعالى قد أخبرهم أن الواحد منهم يقاوم اثنين من المشركين، وكذلك المشركون إذا رأوا المسلمين أقل مما كانوا لا يمتنعون عن القتال ؛ ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا )، وذلك من قتل رؤسائهم وقادتهم، بإذن الله تعالى.
قال الفراء : إنما رأوهم على عددهم كما كانوا، وإنما قال :( يرونهم مثليهم ) يعني : مثليهم سوى عددهم، وهذا مثل قول الرجل - وعنده درهم - : أنا أحتاج إلى مثلى هذا الدرهم، يعني إلى مثليه سواه. والأول أصح.
وقرىء :" ترونهم " بالتاء(٣) فيكون خطابا لليهود، وكان جماعة منهم حضروا قتال بدر ؛ لينظروا على من الدبرة، فرأو المشركين مثلى عدد المسلمين، ورأو النصرة مع ذلك للمسلمين، وكان ذلك معجزة، وآية للرسول في أعينهم. وعلى القراءة الأولى يكون الخطاب مع المسلمين في قوله :( قد كان لكم آية في فئتين ).
( والله يؤيد بنصره من يشاء ) ؛ لأنه نصر المؤمنين يومئذ.
( إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) أي : علامة لأولى البصائر في الدين، ولذوي العقول أجمعين.
١ - في "الأصل، وك" : فرجل. أوله فاء، وهو تصحيف..
٢ - الأنفال: ٤٤..
٣ - وهي قراءة نافع، ويعقوب، وأبي جعفر. انظر النشر (٢/٢٣٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى