الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَدْ كَانَ﴾ : جوابُ قسمٍ محذوفٍ، و " آيةٌ " اسمُ كان، ولم يؤنِّث الفعلَ لأنَّ تأنيثَ الآيةِ مجازيٌّ، ولأنها بمعنى الدليل والبرهان، ولوجودِ الفصلِ ب " لكم "، فإنَّ الفصلَ مُسَوِّغٌ لذلك مع كونِ التأنيث حقيقاً كقوله :
إنَّ امرَأً غَرَّه منكنَّ واحدةٌبَعْدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ
وفي خبر " كان " وجهان أحدُهما : أنه " لكم " و " في فئتين " في محل رفع نعتاً لآية. والثاني : أنه " في فئتين ". وفي " لكم " حينئذ وجهان، أحدهما : أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " آية " لأنه في الأصل صفةٌ لآية، فلما قُدِّم نُصِب حالاً. والثاني : أنه متعلِّقٌ بكان، ذكره أبو البقاء، وهذا عند مَنْ يرى أنها تعملُ في الظرف وحرف الجر، ولكنْ في جَعْلِ " في فئتين " الخبرَ إشكالٌ، وهو أن حكمَ اسمِ " كان " حُكْمُ المبتدأِ فلا يجوزُ أن يكونَ اسماً لها إلاَّ ما جاز الابتداءُ به، وهنا لو جُعِلَتْ " آية " مبتدأً وما بعدها خبراً لم يَجُزْ، إذ لا مسوِّغَ للابتداء بهذه النكرة، بخلاف ما إذا جَعلْتَ " لكم " الخبرَ فإنه جائزٌ لوجودِ المسوِّغِ وهو تقدُّمُ الخبرِ حرفَ جر.
قوله :﴿الْتَقَتَا﴾ في محلِّ جرٍ صفةً لفئتين أي : فئتين ملتقيتين.
قوله :﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ العامة على رفع " فئة " وفيها أوجهٌ، أحدها : أن يرتفعَ على البدلِ من فاعل " التقتا "، وعلى هذا فلا بدَّ من ضمير محذوفٍ يعودُ على " فئتين " المتقدمتين في الذكر، ليسوغَ الوصفُ بالجملة، إذ لو لم يُقَدَّرْ ذلك لما صَحَّ، لخلوِّ الجملةِ الوصفيةِ من ضميرٍ، والتقديرُ : في فئتين التقَتْ فئةٌ منهما وفئةٌ أخرى كافرة. والثاني : أن يرتفعَ علىخبر ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه : إحداهما فئةٌ تقاتِلُ، فقطع الكلامَ عن أولِه، واستأنفه. ومثلُه ما أنشده الفراء على ذلك :
إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفَيْنِ شامتٌوآخرُ مُثْنٍ بالذي كنتُ أصنعُ
أي : أحدُهما شامتٌ وآخرٌ مُثْنٍ، أي : وصنفٌ آخرُ مُثْنٍ، ومثلُه في القطع أيضاً قولُ الآخر :
حتى إذا ما استقلَّ النجمُ في غَلَسٍوغُودر البقلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصودُ
أي : بعضُه مَلْوِيٌّ وبعضُه مَحْصود. وقال أبو البقاء :" فإنْ قلت : فإذا قَدَّرْتَ في الأولى " إحداهما " مبتدأً كان القياسُ أن يكون والأخرى، أي : والفئةُ الأخرى كافرةٌ. قيل : لَمَّا عُلِم أنَّ التفريقَ هنا لنفس الشيءِ المقدَّمِ ذكرُه كان التعريفُ والتنكير واحداً. قلت : ومثلُ الآية الكريمة في هذا السؤال وجوابه البيتُ المتقدم :" شامتٌ وآخرُ مُثْنٍ " فجاء به نكرةً دون " أل ".
الثالث : أن يرتفعَ على الابتداءِ وخبرُه مضمرٌ تقديرُه : منهما فئة تقاتل، وكذا في البيت اي : منهم شامتٌ ومنهم مُثْنٍ، ومثلُه قولُ النابغة :
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُهالستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
رمادٌ ككحل العينِ لأْياً أُبينُهونُؤْيٌ كجِذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خاشع
تقديره : منهنَّ أي : ومن الآيات رمادٌ، ومنهن نؤيٌ، ويَحْتَمل البيتُ أن يكونَ كما تقدم من تقديره مبتدأً، و " رمادٌ " خبرُه كما تقدَّم في نظيره.
وقرأ الحسن ومجاهد وحميد :" فئةٍ تقاتل " بالجر على البدل من " فئتين "، ويسمَّى هذا البدلُ بدلاً تفصيلاً كقولِ كثِّير عزة :
وكنتُ كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍورجلٍ رَمَى فيها الزمانُ فَشَلَّتِ
وهو بدلُ بعضٍ من كل، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من ضميرٍ يعودُ على المبدل منه تقديره : فئةٍ منهما.
وقرأ ابن السَّمَيْفَع وابن أبي عَبْلة " فئةً " نصباً. وفيه أربعة أوجه، أحدها : النصبُ بإضمارِ أعني. والثاني : النصبُ على المدح. وتحريرُ هذا القول أن يُقال على المدح في الأول، وعلى الذم في الثاني، وكأنه قيل : أَمْدَحُ فئةً تقاتل في سبيل الله، وأذمُّ أخرى كافرةً. الثالث : أن ينتصبَ على الاختصاص جَوَّزه الزمخشري. قال الشيخ :" وليس بجيد ؛ لأنَّ المنصوبَ [ على الاختصاص ] لا يكونُ نكرةً ولا مبهماً " قلت : لا يعني الزمخشري الاختصاصَ المبوَّبَ له في النحو نحو " نحن معاشرَ الأنبياء لا نُوْرَثُ " إنما عنى النصبَ بإضمارِ فعلٍ لائقٍ، وأهلُ البيانِ يُسَمُّون هذا النحو اختصاصاً. الرابعُ : أن تنتصِبَ " فئةً " على الحالِ من فاعل " التقتا " كأنه قيل : التقتا مؤمنةً وكافرةً، فعلى هذا يكون " فئةً " و " أخرى " توطئةً للحال، لأن المقصود ذِكْرُ وصفها، وهذا كقولهم : جاءني زيدٌ رجلاً صالحاً، ومثلُه في باب الإِخبار :﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١] ونحوُه.
قوله :﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ " أُخْرى " : صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره :" وفئةٌ أخرى كافرةٌ ". وقُرِئَتْ " كافرة " بالرفعِ والجَرِّ على حَسَبِ القراءتين المذكورتين في " فئة تقاتل "، وهذه منسوقَةٌ عليها، وكان من حق/ من قرأ " فِئَةً تقاتل " نصباً أن يقرأ :" وأخرى كافرةً " نصباً عطفاً على الأولى، ولكني لم أحفظ فيها ذلك. وفي عبارة الزمخشري ما يُوْهم القراءةَ به فإنه قال :" وقُرىء فئة تقاتل وأخرى كافرة بالجرِّ على البدلِ من فئتين، وبالنصبِ على الاختصاص أو الحال "، فظاهرُ قولِه :" وبالنصب " [ أي : في جميعِ ما تقدم وهو : فئة تقاتل وأخرى كافرة ]. وقد تقدَّم سؤال أبي البقاء وهو : لم يَقُلْ " والأخرى " بالتعريفِ، أعني حالَ رفعِ " فئةُ تقاتل " على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه :" إحداهما "، والجوابُ عنه.
والعامَّةُ على " تقاتل " بالتأنيثِ لإِسنادِ الفعلِ إلى ضميرِ المؤنث، ومتى أُسْنِدَ إلى ضميرِ المؤنث وَجَبَ تأنيثُه، سواءً كان التأنيثُ حقيقةً ِأم مجازاً نحو :" الشمس طَلَعَت " هذا جمهورُ الناسِ عليه، وخالَفَ ابن كيسان فأجاز :" الشمس طَلَع " مستشهداً بقوله الشاعر :
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهاولا أرضَ أبقلَ إبقالَها
فقال :" أبقل " وهو مسندٌ لضميرِ الأرض ولم يَقُلْ : أبقلَتْ، وغيرُه يَخُصُّهُ بالضرورةِ. وقال هو :" لا ضرورةَ إذ كان يمكنُ أن يَنْقُلَ حركةَ الهمزةِ على تاءِ التأنيثِ الساكنة فيقول : ولا أرضَ أبقلتِ بْقالَها. وقد ردُّوا عليه بأن الضرورةَ ليس معناها ذلك، ولئن سَلَّمنا ذلك فلا نُسَلِّم أن هذا الشاعرَ كان من لغتِه النقلُ، لأنَّ النقلَ ليس لغةً لكلِّ العرب.
وقرأ مجاهد ومقاتل :" يقاتل " بالياء من تحت، وهي مُخَرَّجةٌ على مذهب ابن كيسان ومقويةٌ له. قالوا : والذي حَسَّن ذلك كونُ " فئة " في معنى القومِ والناس ؛ فلذلك عاد الضميرُ عليها مذكَّراً.
قوله :﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قرأ نافع وحده من السبعةِ ويعقوب وسهل :" تَرَوْنهم " بالخطابِ، والباقون من السعبة بالغَيْبة. فأمَّا قراءةُ نافع ففيها ثمانية أوجه، أحدُها : أن الضميرَ في " لكم " والمرفوعَ في " تَرَوْنهم " للمؤمنين، والضميرَ المنصوب في " تَرَوْنهم " والمجرورَ في " مِثْلَيْهم " للكافرين. والمعنى : قد كان لكم أيها المؤمنون آيةٌ في فئتين بأَنْ رأيتم الكفارَ مثلي أنفسهم في العدد وهو أبلغُ في القدرةِ حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عددِ الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم وغَلَبوهم وأَوْقَعوا بهم الأفاعيلَ. ونحُوه :﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] واستبَعَدَ بعضُهم هذا التأويلَ لقوله تعالى في الأنفالِ :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ [ الآية : ٤٤ ]، فالقصةُ واحدةٌ، وهناك تَدُلُّ الآية على أن الله تعالى قَلَّل المشركين في أعين المؤمنين لئلا يَجْبُنوا عنه، وعلى هذا التأويلِ المذكور هنا يكون قد كَثَّرهم في أعينهم. ويمكنُ أن يُجابَ عنه باختلافِ حالَيْنِ، وذلك أنه في وقتٍ أراهم إيَّاهم مثلي عددهم ليمتحنهم ويبتليهم، ثم قَلَّلهم في أعينهم ليقدُموا عليهم، فالإِتيانُ باعتبارين ومثلُه :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] مع :
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾
[النساء: ٤٢] مع :﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]. وقال الفراء :" المرادُ بالتقليل التهوينُ كقولِك :" رأيتُ كثيرَهم قليلاً " لهوانِهِم عندكَ، وليس من تقليلِ العدد في شيء ".
الثاني : أن يكونَ الخطاب في " تَرَوْنهم " للمؤمنين أيضاً، والضميرُ المنصوبُ في " ترونهم " للكافرين أيضاً، والضميرُ المجرورِ في " مِثْلَيْهم " للمؤمنين، والمعنى : تَرَوْن أيها المؤمنون الكافرين مثلي عددِ أنفسكم، وهذا تقليلٌ للكافرين عند المؤمنين في رأيِ العين، وذلك أنَّ الكفارَ كانوا ألفاً ونَيِّفاً والمسلمونُ على الثلث منهم، فأراهم إياهم مِثْلَيْهم، على ما قَرَّر عليهم من مقاومةِ الواحدِ للاثنين في قوله تعالى :﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] بعد ما كُلِّفوا أن يقاومَ واحدٌ العشرةَ في قوله تعالى :﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. قال الزمخشري :" وقراءةُ نافع لا تساعد عليه " عين على هذا التأويلِ المذكور، ولم يُبَيِّنْ وجه عدمِ المساعدةِ، وكأنَّ الوجَه في ذلك والله أعلم أنه كان ينبغي أن يكونَ التركيب :" تَرَوْنهم مثليكم " بالخطاب في " مثليكم " لا بالغَيْبة. وقال أبو عبد الله الفاسي بعد ما ذكرته عن الزمخشري :" قلت : بل يساعِدُ عليه إن كان الخطابُ في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك " انتهى، فلم يأتِ أبو عبد الله بجوابٍ، إذ الإِشكالُ باقٍ.
وقد أجابَ بعضُهم عن ذلك بجوابين، أحدُهما : أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة وأن حقَّ الكلام :" مِثْلَيْكم " بالخطاب، إلا أنه التفتَ إلى الغَيْبة، ونظَّره بقوله تعالى :﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾
[يونس: ٢٢]. والثاني : أن الضميرَ في " مِثْلَيْهم " وإن كان المرادُ به المؤمنين إلا أنه عادَ على قوله :﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والفئةُ المقاتِلة هي عبارةٌ عن المؤمنين المخاطبينَ، والمعنى : تَرَوْن أيها المؤمنون الفئةَ الكافرة مِثْلَيْ الفئةِ المقاتلةِ في سبيل الله، فكأنه قيل : تَرَوْنَهم أيَها المؤمنون مِثْلَيْكُم. وهوَ جوابٌ حسنٌ ومعنى واضحٌ.
الثالث : أن يكونَ الخطاب في " لكم " وفي " تَرَوْنَهم " للكفار، وهم قريش، والضميرُ المنصوبُ والمجرور للمؤمنين، أي : قد كان لكم أيها المشركون/ آيةٌ حيث تَرَوْن المؤمنين مِثْلَي أنفسِهم في العدَدِ، فيكون قد كَثَّرهم في أعينِ الكفار ليجبنُوا عنهم، فيعودُ السؤالُ المذكور بين هذه الآية وآية الأنفال، وهي قوله تعالى :﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فكيف يقال هنا إنه كَثَّرهم فيعودُ الجواب بما تقدَّم من اختلافِ حالتين، وهو أنه قَلَّلهم أو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى