غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿سيغلبون ويحشرون﴾ بياء الغيبة : حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير. الباقون بتاء الخطاب ﴿ترونهم﴾ بتاء الخطاب : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون بالياء ﴿مثليهم﴾ بضم الهاء : سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿بجنتيهم﴾[سبأ: ١٦] ﴿رأى العين﴾ بغير همز : أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون بهمزة ساكنة ﴿أونبئكم﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون. ﴿آونبئكم﴾ بالمد والواو المضمومة : يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب. الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة. ﴿ورضوان﴾ بضم الراء حيث كان : الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿من اتبع رضوانه﴾
[المائدة: ١٦] في المائدة ﴿أن الدين﴾ بفتح " إن " علي. الباقون بالكسر. ﴿وجهي﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. ﴿ومن اتبعني﴾ بإثبات الياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل. ﴿ويقاتلون الذين﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير. الباقون ﴿ويقتلون﴾. ﴿ليحكم﴾ بضم الياء وفتح الكاف : أبو جعفر. الباقون بالعكس.
الوقوف :﴿جهنم﴾ ط، ﴿المهاد﴾ ه، ﴿التقتا﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما. ﴿العين﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿الأبصار﴾ ه، ﴿والحرث﴾ ط ﴿الدنيا﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين. ﴿المآب﴾ ج ﴿من ذلكم﴾ ط لتناهي الاستفهام. ﴿من الله﴾ ط ﴿بالعباد﴾ ج للآية على جعل " الذين " خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على " أعني الذين " ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين. ﴿النار﴾ ج لأن " الصابرين " يصلح بدلاً من " الذين " والوقف أجود نصباً على المدح. ﴿بالأسحار﴾ ط ﴿إلا هو﴾ ط للعطف، ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً. ﴿بالقسط﴾ ط، ﴿الحكيم﴾ ط إلا لمن قرأ " إن " بالفتح على البدل من " أنه " ﴿الإسلام﴾ ه، ﴿بينهم﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله. ﴿الحساب﴾ ه ﴿ومن اتبعن﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿أأسلمتم﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿اهتدوا﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف. ﴿البلاغ﴾ ط، ﴿بالعباد﴾ ه، ﴿بغير حق﴾ ز لمن قرأ ﴿ويقاتلون﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿يقتلون﴾ ﴿أليم﴾ ه، ﴿والآخرة﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود. ﴿من ناصرين﴾ ه، ﴿معرضون﴾ ه، ﴿معدودات﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال. ﴿يفترون﴾ ه، ﴿يظلمون﴾ ه.
ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ يوم بدر ﴿فئة﴾ إحداهما جماعة ﴿تقاتل في سبيل الله﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿وفئة﴾ أخرى ﴿كافرة﴾ هم كفار قريش. وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه : أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها : قلة العدد والعدد، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.
ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا. ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله ﷺ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني. كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات. وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة. وثانيها أنه ﷺ كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾[الأنفال: ٧] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان. وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز. وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة. ورابعها قوله ﴿يرونهم مثليهم﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في " يرون " إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿مثليهم﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة : الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين. الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ترونهم﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم. ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في " يرون " إلى الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه سبحانه جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿قد كان لكم آية﴾ فوجب أن يكون الراءون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة. والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال
﴿ويقللكم في أعينهم﴾[ الآية : ٤٤ ] لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا. على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية. الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون. فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾[الأنفال: ٦٥] والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا. الاحتمال الرابع أن يكون الراءون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.
وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد : ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة. وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي. أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل : لعل الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً. وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿مثليهم﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله :﴿رأى العين﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات. وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات. وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض. أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله تعالى في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل. ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد. ﴿إن في ذلك﴾ الذي ذكره من الآية ﴿لعبرة﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿لأولي الأبصار﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ستغلبون﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾[المؤمنون: ١٠٦] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا. فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه. ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ إن لله تعالى فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله :﴿زين للناس﴾. واعلم أن الله خلق الخلق على طبقات ثلاث : العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾[يونس: ٦٢] والغالب فهيم المحبة والشوق. ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات. فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء
﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾[النحل: ٦] وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى. ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ورضوان من الله﴾ والإيمان ﴿ربنا إننا آمنا﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات. والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله :
﴿والله عنده حسن المآب﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] وإنما طلبوا قرب المولى ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾[يونس: ٢٦] ﴿شهد الله﴾ بكلامه الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿أنه لا إله إلا هو﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات. شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.
فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم. ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾[الفتح: ٢٦].
فحقيقة معنى الآية : شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم. ثم فائدة التكرار بقوله ﴿لا إله إلا هو﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿لا إله إلا هو العزيز﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿الحكيم﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة. ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف. ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة. ﴿ويقتلون النبيين﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله ؟
[المائدة: ١٦] في المائدة ﴿أن الدين﴾ بفتح " إن " علي. الباقون بالكسر. ﴿وجهي﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. ﴿ومن اتبعني﴾ بإثبات الياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل. ﴿ويقاتلون الذين﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير. الباقون ﴿ويقتلون﴾. ﴿ليحكم﴾ بضم الياء وفتح الكاف : أبو جعفر. الباقون بالعكس.
الوقوف :﴿جهنم﴾ ط، ﴿المهاد﴾ ه، ﴿التقتا﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما. ﴿العين﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿الأبصار﴾ ه، ﴿والحرث﴾ ط ﴿الدنيا﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين. ﴿المآب﴾ ج ﴿من ذلكم﴾ ط لتناهي الاستفهام. ﴿من الله﴾ ط ﴿بالعباد﴾ ج للآية على جعل " الذين " خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على " أعني الذين " ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين. ﴿النار﴾ ج لأن " الصابرين " يصلح بدلاً من " الذين " والوقف أجود نصباً على المدح. ﴿بالأسحار﴾ ط ﴿إلا هو﴾ ط للعطف، ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً. ﴿بالقسط﴾ ط، ﴿الحكيم﴾ ط إلا لمن قرأ " إن " بالفتح على البدل من " أنه " ﴿الإسلام﴾ ه، ﴿بينهم﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله. ﴿الحساب﴾ ه ﴿ومن اتبعن﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿أأسلمتم﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿اهتدوا﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف. ﴿البلاغ﴾ ط، ﴿بالعباد﴾ ه، ﴿بغير حق﴾ ز لمن قرأ ﴿ويقاتلون﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿يقتلون﴾ ﴿أليم﴾ ه، ﴿والآخرة﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود. ﴿من ناصرين﴾ ه، ﴿معرضون﴾ ه، ﴿معدودات﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال. ﴿يفترون﴾ ه، ﴿يظلمون﴾ ه.
ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ يوم بدر ﴿فئة﴾ إحداهما جماعة ﴿تقاتل في سبيل الله﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿وفئة﴾ أخرى ﴿كافرة﴾ هم كفار قريش. وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه : أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها : قلة العدد والعدد، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.
ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا. ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله ﷺ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني. كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات. وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة. وثانيها أنه ﷺ كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾[الأنفال: ٧] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان. وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز. وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة. ورابعها قوله ﴿يرونهم مثليهم﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في " يرون " إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿مثليهم﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة : الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين. الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ترونهم﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم. ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في " يرون " إلى الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه سبحانه جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿قد كان لكم آية﴾ فوجب أن يكون الراءون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة. والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال
﴿ويقللكم في أعينهم﴾[ الآية : ٤٤ ] لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا. على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية. الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون. فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾[الأنفال: ٦٥] والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا. الاحتمال الرابع أن يكون الراءون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.
وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد : ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة. وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي. أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل : لعل الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً. وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿مثليهم﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله :﴿رأى العين﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات. وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات. وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض. أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله تعالى في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل. ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد. ﴿إن في ذلك﴾ الذي ذكره من الآية ﴿لعبرة﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿لأولي الأبصار﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.
﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾[النحل: ٦] وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى. ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ورضوان من الله﴾ والإيمان ﴿ربنا إننا آمنا﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات. والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك. ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله :
﴿والله عنده حسن المآب﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] وإنما طلبوا قرب المولى ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾[يونس: ٢٦] ﴿شهد الله﴾ بكلامه الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿أنه لا إله إلا هو﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات. شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.
فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم. ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾[الفتح: ٢٦].
| لي سكرتان وللندمان واحدة | شيء خصصت به من بينهم وحدي |