زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ في المخاطبين بهذا ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم المؤمنون، روي عن ابن مسعود، والحسن. والثاني : الكفار، فيكون معطوفا على الذي قبله، وهو يتخرج على قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفا. والثالث : أنهم اليهود، ذكره الفراء، و ابن الأنباري، وابن جرير. فإن قيل : لم قال :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ولم يقل : قد كانت لكم ؟ فالجواب من وجهين. أحدهما : أن ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره. والثاني : أنه ردّ المعنى إلى البيان، فمعناه : قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى، وترك اللفظ، وأنشدوا :
إن امرءا غره منكن واحدةبعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
وقد سبق معنى " الآية " و " الفئة "، وكل مشكل تركت شرحه، فإنك تجده فيما سبق، والمراد بالفئتين : النبي ﷺ وأصحابه، ومشركو قريش يوم بدر. قاله قتادة والجماعة. وفي قوله تعالى :﴿يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ﴾ قولان : أحدهما : يرونهم ثلاثة أمثالهم، قاله الفراء، واحتج بأنك إذا قلت : عندي ألف دينار، وأحتاج إلى مثليه، فإنك تحتاج إلى ثلاثة آلاف والثاني : أن معناه يرونهم ومثلهم، قال الزجاج : وهو الصحيح.
قوله تعالى :﴿رَأْي الْعَيْنِ﴾ أي : في رأي العين. قال ابن جرير : جاء هذا على مصدر رأيته، يقال : رأيته رأيا، ورؤية. واختلفوا في الفئة الرائية على ثلاثة أقوال، هي التي ذكرناها في قوله تعالى :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ فإن قلنا : إن الفئة الرائية المسلمون، فوجهه أن المشركين كانوا يضعفون على عدد المسلمين، فرأوهم على ما هم عليه، ثم نصرهم الله، وكذلك إن قلنا : إنهم اليهود. وإن قلنا : إنهم المشركون، فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر. وقد قرأ نافع :﴿ترونهم﴾ بالتاء. قال ابن الأنباري : ذهب إلى أن الخطاب لليهود. قال الفراء : ويجوز لمن قرأ :﴿يرونهم﴾ بالياء أن يجعل الفعل لليهود، وإن كان قد خاطبهم في قوله تعالى :
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ لأن العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. وقد شرحنا هذا في " الفاتحة " وغيرها. فإن قيل : كيف يقال : إن المشركين استكثروا والمسلمين، وأن المسلمين استكثروا المشركين، وقد بين قوله تعالى :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى ؟ فالجواب : أنهم استكثروهم في حال، واستقلوهم في حال، فإن قلنا : إن الفئة الرائية المسلمون، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه، ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، فنصرهم الله بذلك السبب. قال ابن مسعود : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وقال في رواية أخرى : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مئة، فأسرنا منهم رجلا، فقلت : كم كنتم ؟ قال : ألفا. وإن قلنا : إن الفئة الرائية المشركون، فإنهم استقلوا المسلمين في حال، فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب خذلانهم، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين : كم كنتم ؟ قالوا : كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر. قالوا : ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا.
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ يُؤَيّدُ﴾ أي : يقوي ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في الإشارة قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى النصر. والثاني : إلى رؤية الجيش مثليهم، والعبرة : الدلالة الموصلة إلى اليقين، المؤدية إلى العلم، وهي من العبور، كأنه طريق يعبر به، ويتوصل به إلى المراد. وقيل : العبرة : الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم. والأبصار : العقول والبصائر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى