فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ﴾ أي : علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم، وهذه الجملة جواب قسم محذوف، وهي : من تمام القول المأمور به لتقرير مضمون ما قبله، ولم يقل " كانت " ؛ لأن التأنيث غير حقيقي. وقال الفراء : إنه ذكر الفعل لأجل الفصل بينه، وبين الاسم بقوله :﴿لَكُمْ﴾. والمراد بالفئتين : المسلمون، والمشركون لما اتقوا يوم بدر. قوله :﴿فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ قراءة الجمهور برفع ﴿فئة﴾. وقرأ الحسن، ومجاهد «فئة » و«كافرة » بالخفض، فالرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، أي : إحداهما فئة. وقوله :﴿تقاتل﴾ في محل رفع على الصفة، والجرّ على البدل من قوله :﴿فِئَتَيْنِ﴾. وقوله :﴿وأخرى﴾ أي : وفئة أخرى كافرة. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال ثعلب : هو على الحال، أي : التقتا مختلفتين، مؤمنة، وكافرة. وقال الزجاج : النصب بتقدير أعني ؛ وسميت الجماعة من الناس فئة ؛ لأنه يفاء إليها : أي : يرجع إليها في وقت الشدة. وقال الزجاج : الفئة : الفرقة مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف : إذا قطعته، ولا خلاف أن المراد بالفئتين هما : المقتتلتان في يوم بدر، وإنما وقع الخلاف في المخاطب بهذا الخطاب، فقيل : المخاطب بها : المؤمنون. وقيل : اليهود. وفائدة الخطاب للمؤمنين : تثبيت نفوسهم، وتشجيعها، وفائدته إذا كان مع اليهود عكس الفائدة المقصودة بخطاب المسلمين.
قوله :﴿يَرَوْنَهُمْ مثْلَيْهِمْ﴾ قال أبو علي الفارسي : الرؤية في هذه الآية رؤية العين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، ويدل عليه قوله :﴿رَأْىَ العين﴾ والمراد أنه يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين، أو مثلي عدد المسلمين، وهذا على قراءة الجمهور بالياء التحتية، وقرأ نافع بالفوقية. وقوله :﴿مثْلَيْهِمْ﴾ منتصب على الحال. وقد ذهب الجمهور إلى أن فاعل ترون هم المؤمنون، والمفعول هم الكفار. والضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وفيه بُعْد أن يكثر الله المشركين في أعين المؤمنين، وقد أخبرنا أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين، فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم. وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿مثليهم﴾ للمسلمين، أي : ترون أيها المسلمون أنفسكم مثلي ما أنتم عليه من العدد لتقوى بذلك أنفسكم، وقد قال من ذهب إلى التفسير الأوّل - أعني : أن فاعل الرؤية المشركون، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم - أنه لا يناقض هذا ما في سورة الأنفال من قوله تعالى :
﴿وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] بل قللوا أوّلا في أعينهم ليلاقوهم، ويجترئوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا. قوله :﴿رَأْىَ العين﴾ مصدر مؤكد لقوله :﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ أي : رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها ﴿والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء﴾ أي : يقوّي من يشاء أن يقويه، ومن جملة ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي : في رؤية القليل كثيراً ﴿لَعِبْرَةً﴾ فعلة من العبور، كالجلسة من الجلوس. والمراد الاتعاظ، والتنكير للتعظيم، أي : عبرة عظيمة، وموعظة جسيمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه قال : كفعل. وأخرج مثله أبو الشيخ، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال : كسنتهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس :«أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع قال :" يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً، " قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً كانوا غماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله :﴿قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله :﴿أُوْلِى الأبصار﴾». وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال : قال فنحاص اليهودي، وذكر نحوه.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ﴾ عبرة، وتفكر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وأخرى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ يقول : قد كان لكم في هؤلاء عبرة، ومتفكر أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب محمد ﷺ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في الآية قال : هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال : أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين، فأيد الله المؤمنين.


وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال : كصنيع آل فرعون. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه قال : كفعل. وأخرج مثله أبو الشيخ، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال : كسنتهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس :«أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع قال :" يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً، " قالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً كانوا غماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله :﴿قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله :﴿أُوْلِى الأبصار﴾». وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال : قال فنحاص اليهودي، وذكر نحوه.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ﴾ عبرة، وتفكر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وأخرى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ يقول : قد كان لكم في هؤلاء عبرة، ومتفكر أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان أصحاب محمد ﷺ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في الآية قال : هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال : أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين، فأيد الله المؤمنين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى