المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قد كان لكم آية في فئتين﴾ الآية تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون وأن يخاطب بها جميع الكفار وأن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم، فمن رأى أن الخطاب بها للمؤمنين فمعنى الآية تثبيت النفوس وتشجيعها، لأنه لما قال للكفار ما أمر به أمكن أن يستبعد ذلك المنافقون وبعض ضعفة المؤمنين، كما قال قائل يوم الخندق : يعدنا محمد أموال كسرى وقيصر، ونحن لا نأمن على أنفسنا في المذهب، وكما قال عدي بن حاتم حين أخبره النبي عليه السلام بالأمنة التي تأتي، فقلت في نفسي : وأين دعار طيىء الذين سعروا البلاد ؟ الحديث بكماله(١)، فنزلت الآية مقوية لنفوس المؤمنين ومبينة صحة ما أخبر به بالمثال الواقع، فمن قرأ «ترونهم » بالتاء من فوق فهي مخاطبة لجميع المؤمنين إذ قد رأى ذلك جمهور منهم، والهاء والميم في «ترونهم » تجمع المشركين، وفي «مثلهم » لجميع المؤمنين(٢)، ومن قرأ بالياء من تحت فالمعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن رأى أن الخطاب لجميع الكفار ومن رأى أنه لليهود فالآية عنده داخلة فيما أمر محمد عليه السلام أن يقوله لهم احتجاجاً عليهم، وتبييناً لصورة الوعيد المتقدم في أنهم سيغلبون، فمن قرأ بالياء من تحت، فالعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن قرأ بالتاء فالمعنى لو حضرتم أو إن كنتم حضرتم وساغت العبارة لوضوح الأمر في نفسه ووقوع اليقين به لكل إنسان في ذلك العصر، ومن قرأ بضم التاء أو الياء فكأن المعنى، أن اعتقاد التضعيف في جميع الكفار إنما كان تخميناً وظناً لا يقيناً، فلذلك ترك في العبارةضرب من الشك وذلك أن أرى بضم الهمزة تقولها فيما بقي عندك فيه نظر و-أرى- بفتح الهمزة تقولها فيما قد صح نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفتح وهو صحيح، قال أبو علي : والرؤية في هذه الآية عين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، و ﴿مثليهم﴾ نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿ترونهم﴾ وأجمع الناس على الفاعل ب ﴿ترونهم﴾ المؤمنون والضمير المتصل هو للكفار، إلا ما حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكفار حتى كانوا عندهم ضعفيهم، وضعف الطبري هذا القول، وكذلك هو مردود من جهات، بل قلل الله كل طائفة في عين الأخرى، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقلل الكفار في عيون المؤمنين ليقع التجاسر ويحتقر العدو، وهذا مع اعتقاد النبي وقوله، واعتقاد أولي الفهم من أصحابه أنهم من التسعمائة إلى الألف(٣)، لكن أذهب الله عنهم البهاء وانتشار العساكر وفخامة الترتيب، حتى قال ابن مسعود في بعض ما روي عنه : لقد قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين ؟ فقال : أظنهم مائة، فلما أخذنا الأسرى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً، وقلل الله المؤمنين في عيون الكفار ليغتروا ولا يحزموا، وتظاهرت الروايات أن جمع الكفار ببدر كان نحو الألف فوق التسعمائة وأن جمع المؤمنين كان ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً وقيل وثلاثة عشر، فكان الكفار ثلاثةاثلاث من المؤمنين، لكن رجع بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، ورجع طالب بن أبي طالب(٤) وأتباع وناس كثير حتى بقي للقتال من يقرب من المثلين، وقد ذكر النقاش نحواً من هذا فذكر الله تعالى المثلين، إذ أمرهما متيقن لم يدفعه قط أحد، وقد حكى الطبري عن ابن عباس : أن المشركين في قتال بدر كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً، وقد ذهب الزجاج وبعض المفسرين، أنهم كانوا نحو الألف وأراهم الله للمؤمنين مثليهم فقط، قال : فهذا التقليل في الآية الأخرى، ثم نصرهم عليهم مع علمهم بأنهم مثلاهم في العدد، لأنه كان أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال يوم بدر : القوم ألف(٥)، وقوله تعالى :﴿لكم آية﴾ يريد علامة وأمارة ومعتبراً، والفئة : الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة، وقال الزجاج : الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال : فأيته إذا فلقته، ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر، وقرأ جمهور الناس «فئةٌ تقاتل » برفع «فئةٌ » على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وقرأ مجاهد والحسن والزهري وحميد :: فئةٍ «بالخفض على البدل، ومنهم من رفع » كافرةٌ «ومنهم من خفضها على العطف، وقرأ ابن أبي عبلة :» فئةً «بالنصب وكذلك » كافرة «قال الزجاج : يتجه ذلك على الحال كأنه قال : التقتا مؤمنة وكافرة، ويتجه أن يضمر فعل أعني ونحوه و ﴿رأي العين﴾ نصب على المصدر، و ﴿ويؤيد﴾ معناه يقوي من الأيد وهو القوة.
١ - الحديث المشار إليه ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٤١) لغرابته، وورد في مادة (دعر) من لسان العرب أنه لعلي بن أبي طالب، وأنه أراد بهم قطاع الطرق، والأمنة بفتحات هي: سكون النفس وطمأنينتها..
٢ - ما بين معقفين سقط في بعض النسخ..
٣ - يشير بهذا إلى ما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال صلى الله عليه وسلم: كم ينحرون كل يوم؟ قال: يوما تسعا، ويوما عشرا، قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ القوم ما بين تسعمائة إلى ألف (ابن كثير. ٣٥٠/١)..
٤ - هو من أولاد أبي طالب وأكبر سنا من أخيه عقيل بعشر سنين، أتى غزوة بدر فوقعت بينه وبين بعض القرشين محاورة فرجع إلى مكة مع من رجع فأنشأ يقول:
لا هم إما يغزون طـالب في عصبة مخالف محارب
في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
"سيرة ابن هشام ٤٥١/٢"
وَالمِقْنَبُ: جماعة من الفرسان والخيل دون المائة تجتمع للغارة، وجمعه: مقانب.
٥ - أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود (مجمع الزوائد: ٦/٧٥)، وروى أبو إسحاق السبيعي عن جارية عن علي قال: كانوا ألفا، وكذلك قال ابن مسعود، ولكن المشهور أنهم كانوا بين التسعمائة إلى الألف، وهو ما يؤيده الحديث الذي رواه ابن إسحاق عن ابن رومان عن عروة..
٢ - ما بين معقفين سقط في بعض النسخ..
٣ - يشير بهذا إلى ما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال صلى الله عليه وسلم: كم ينحرون كل يوم؟ قال: يوما تسعا، ويوما عشرا، قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ القوم ما بين تسعمائة إلى ألف (ابن كثير. ٣٥٠/١)..
٤ - هو من أولاد أبي طالب وأكبر سنا من أخيه عقيل بعشر سنين، أتى غزوة بدر فوقعت بينه وبين بعض القرشين محاورة فرجع إلى مكة مع من رجع فأنشأ يقول:
لا هم إما يغزون طـالب في عصبة مخالف محارب
في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
"سيرة ابن هشام ٤٥١/٢"
وَالمِقْنَبُ: جماعة من الفرسان والخيل دون المائة تجتمع للغارة، وجمعه: مقانب.
٥ - أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود (مجمع الزوائد: ٦/٧٥)، وروى أبو إسحاق السبيعي عن جارية عن علي قال: كانوا ألفا، وكذلك قال ابن مسعود، ولكن المشهور أنهم كانوا بين التسعمائة إلى الألف، وهو ما يؤيده الحديث الذي رواه ابن إسحاق عن ابن رومان عن عروة..