اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قرأ الأخوان، وأبو بكر : قُرْح - بضم القاف - وكذلك " القُرْحُ " معرَّفاً.
والباقون بالفتح فيهما(١).
فقيل : هما بمعنى واحد، ثم اختلف القائلون بهذا.
فقال بعضهم : المراد بهما : الجُرْح نفسه، وقال بعضهم- منهم الأخفش - المراد بهما المصدر، يقال : قَرِحَ الجُرح، يَقْرحُ، قَرْحاً، وقُرْحاً.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
وَبُدِّلْتُ قَرْحاً دَامِياً بَعْدَ صِحَّةٍلَعَلَّ مَنَايَانَا تَحَوَّلْنَ أبْؤُسَا(٢)
والفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم، فهما كالضَّعْف والضُّعْف، والكَرْه والكُرْه، والوَجْد والوُجْد.
وقال بعضهم : المفتوح : الجُرْح، والمضموم : ألَمُه، وهو قول الفراء.
وقرأ ابن السميفع بفتح القاف والراء، كالطرْد والطرَد.
وقال أبو البقاءِ :" وهو مصدر قَرِحَ يَقْرح، إذا صار له قُرْحَة، وهو بمعنى : دَمِيَ ".
وقُرِئَ قُرُح(٣) - بضمهما-.
قيل : وذلك على الإتباع كاليُسْر واليُسُر، والطُّنْب والطُّنُب.
وقرأ الأعمش :" إن تمسسكم قروح " - بالتاء من فوق(٤)، [ وصيغة الجمع في الفاعل ] (٥)، وأصل المادة : الدلالة على الخُلُوص، ومنه الماء القَرَاح، الذي لا كُدُورةَ فيه.
قال الشاعر :[ الوافر ]
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ، وَكُنْتُ قَبْلاًأكَادُ أغَصُّ بِالْمَاءِ الْقَرَاح(٦)
وأرض قرحة - أي : خالصة الطين - ومنه قريحة الرجل - أي : خالص طَبْعه-.
وقال الراغب(٧) :" القَرْح الأثر من الجراحة من شيء يُصيبه من خارج، والقُرْح - يعني : بالضم - أثرها من شيء داخل - كالبثرة ونحوها- يقال : قَرَحْته، نحو جَرَحْته.
قال الشاعر :[ البسيط ]
لا يُسْلِمُونَ قَرِيحاً حَلَّ وَسَطَهُمُيَوْمَ اللِّقَاءِ، ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا(٨)
أي : جرحوا. وقرح : خرج به قرح.
ويقال : قَرَحَ قلبُه، وأقرحه الله - يعني : فَعَل وأفْعَل فيه بمعنًى - والاقتراح : الابتداع والابتكار ومنه : اقترح عليَّ فلانٌ كذا، واقترحْتُ بِئراً : استخرجت منها ماءً قَرَاحاً. والقريحة - في الأصل - المكان الذي يجمتع فيه الماء المستنبط - ومنه استُعِيرت قريحةُ الإنسان - وفرس قارح، إذا أصابه أثَرٌ من ظُهور نَابِهِ، والأنْثَى قارحة، وروضة قرحاء، إذا كان في وسطها نَوْر ؛ وذلك لتشبيهها بالفرس القرحاء ".
قوله :﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ للنحويين - في مثل هذا - تأويل، وهو أن يُقَدِّرُوا شيئاً مستقبلاً ؛ لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل - وقوله :﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ ماضٍ مُحَقَّق - وذلك التأويل هو التبيين، أي : فقد تَبَيَّن مَسُّ القرح للقوم وسيأتي له نظائر، نحو :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: ٢٦] و﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧].
وقال بعضهم : جواب الشرط محذوف، تقديره : فتأسَّوا، ونحو ذلك.
وقال أبو حيان :" ومَنْ زعم أن جواب الشرط هو " فَقَدْ مَسَّ "، فهو ذاهل ".
قال شهابُ الدين(٩) :" غالب النحويين جعلوه جواباً، متأولين له بما ذكرت ".

فصل


هذا خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحُد مع الكآبة، يقول :﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ يوم أحد فقد مَسَّهُمْ قَرْحٌ مِثْلُهُ يوْمَ بَدْرٍ(١٠)، وهو كقوله تعالى :﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وقيل : إن الكفار قد نالهم يوم أُحُد مثل ما نالكم من الجُرح، والقتل ؛ لأنه قُتِل منهم نيفٌ وعشرون رجلاً، وقتل صاحبُ لوائهم، والجراحات كَثُرَتْ فيهم، وعُقِرَ عامةُ خَيْلهم بالنبل، وكانت الهزيمة عليهم في أول النهار(١١).
فإن قيل : كيف قال :﴿قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾، وما كان قَرْحُهم يومَ أُحُد مثل قَرْح المشركين.
فالجواب : أن تفسير القرح - في هذا التأويل - بمجرد الانهزام، لا بكَثْرة القَتْلَى.
قوله :﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ يجوز في " الأيَّامُ " أن تكون خبراً لِ " تِلْكَ " و " نُدَاوِلُهَا " جملة حالية، العامل فيها معنى اسم الإشارة، أي : أشيرُ إليها حال كونها مداوَلةً، ويجوز أن تكون " الأيَّامُ " بدلاً، أو عَطْفَ بيان، أو نَعْتاً لاسم الإشارة، والخبر هو الجملة من قوله :﴿نُدَاوِلُهَا﴾ وقد مر نحوه في قوله :﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ [أل عمران: ١٠٨] إلا أن هناك لا يجيء القول بالنعت ؛ لما عرفت أنَّ اسم الإشارة لا ينعت إلا بذي أل و " بَيْنَ " متعلق ب " نُدَاوِلُهَا "، وجَوَّزَ أبُو البقاءِ أن يكون حالاً من مفعول " نُدَاوِلُهَا " ولَيْسَ بِشَيءٍ.
والمداوَلة : المناوَبة على الشيء، والمُعَاودة، وتعهَّده مرةَ بعد أخْرَى، يقال : دَاوَلْتُ بينهم الشيء فتداولوه، كأن " فَاعَل " بمعنى :" فَعَل ".
قال الشاعر :[ الكامل ]
تَرِدُ الْمِيَاهَ، فَلاَ تَزَالُ تَدَاوُلاًفي النَّاسِ بَيْنَ تَمَثُّل وَسَمَاعِ(١٢)
وأدال فلانٌ فلاناً : جعل له دولة.
وقال القفَّال : المداولة : نَقْل الشيء من واحد إلى آخر، يقال : تداولته الأيدي - إذا تناولته ومنه قوله تعالى :﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] أي : تتداولونها، ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً، ويقال : الدُّنيا دول، أي : تنتقل من قوم إلى آخرين.
ويقال دال له الدهرُ بكذا - إذا انتقل إليه.
ويقال : دُولة، ودَوْلة - بفتح الفاء وضمها - وقد قُرِئَ بهما في سورة الحشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
واختلفوا، هل اللفظتان بمعنًى، أو بينهما فَرْقٌ.
فقال الراغب :" إنهما سِيَّانِ، فيكون في المصدر لغتان ".
وفرَّق بعضُهم بينهما، واختلف هؤلاء في الفرق.
فقال بعضُهم : الدَّوْلَة - بالفتح - في الحرب والجاه، وبالضم : في المال، وهذا تردُّه القراءتان في سورة الحشر.
وقيل : بالضم اسم الشيء المتداوَل، وبالفتح نفس المصدر، وهذا قريب.
وقيل : بالضم هي المصدر، وبالفتح الفَعْلة الواحدة، فلذلك يقال : في دَوْلة فلان ؛ لأنها مرة في الدهر.
والدَّوْر والدَّوْل متقاربان في المعنى، ولكن بينهما عموم وخصوص ؛ فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيويّ. والدُّؤلُولُ : الداهية، والجمع الدآليل والدُّؤلات.
وقرئ شاذًّا :" يُدَاوِلَهَا " - بياء الغيبة(١٣) - وهو موافق لما قبله، ولما بعده.
وقرأ العامةُ على الالتفات المفيد للتعظيم.

فصل


ومعنى مداولة الأيام بين الناس أن مسارَّها لا تدوم، وكذلك مضارُّها، فيوم يكون السرور لإنسان والغمّ لعدوه، ويوم آخر بالعكس، وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارةً ينصر المؤمنين، وأخْرَى ينصر الكافرين ؛ لأن نَصْر الله مَنْصِب شريف عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة : أنه تارة يُشَدَّد المحنة على الكفار، وتارة على المؤمنين، وتشديد المحنة على المؤمن أدَبٌ له في الدنيا، وتشديد المِحْنةِ على الكافر غضب من الله تعالى عليه.
ورُوِيَ أن أبا سفيان صعد الجَبَل يوم أُحُد، قال : أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هَذَا رسولُ الله ﷺ وهذا أبو بكر، وهذا أنا عمر، فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دُوَلٌ والحرب سجال، فقال عمر : لا سواء ؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان : إن كان كما تزعمون فقد خِبنا - إذَنْ وخَسِرْنا(١٤).
وروى البراء بن عازب قال :" جعل النبي ﷺ على الرُّماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلاً - عبدَ الله بن جبير، فقال ﷺ : إن رأيتمونا تَخَطَّفُنَا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرْسِل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أُرْسِل إليكم، وكان على يمنة المشركين خالد ابن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربْنَ بالدفوف، ويقُلْنَ الأشعارَ، فقاتلوا حتى حميت الحربُ، فأخذ رسول الله ﷺ سيفاً، فقال : مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه، ويَضْرب به العدو حتى ينحني ؟ فأخذه أبو دُجانة سماك بن خَرْشَة الأنصاري، فلما أخذه اعتَمَّ بعمامة حمراء، وجعل يتبختر، - فقال رسولُ الله ﷺ :" إنَّها لمِشْيَة يبغضُهَا اللهُ ورسولُه إلا فِي هَذَا المَوْضِعِ " فَفلَقَ به هَامَ المشركين، وحمل النبيُّ ﷺ وأصحابهُ على المشركين، فهزموهم، قال : فأنا - والله - رأيتُ النساء يشتدّون - قد بدت خلاخِلُهن وأسْوُقُهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله : الغنيمةَ، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون ؟ فقال عبد الله بن جُبَيْر : أنسيتم ما قال لكم رسولُ الله ﷺ ؟ فقالوا : والله لنأتِيَنَّ الناسَ فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتَوْهُم صُرِفَتْ وُجوهُهم، فأقْبَلُوا منهزمين، فذاك إذْ تدعوهم، والرسول في أخراهم، فلم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ غيرُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، فأصابوا مِنَّا سَبْعِينَ، وكان النبيُّ ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يومَ بدر أربعين ومائة - سبعين أسيراً، وسبعين قتيلاً - فقال أبو سفيان ثلاثَ مرات : أفي القوم محمدٌ ؟ فنهاهم النبيُّ ﷺ أن يُجيبوه، فقال : أفي القوم ابن أبي قُحَافَةَ ثلاث مرات ؟ أفي القوم عُمَر ثلاث مرات ؟ فرجع إلى أصْحَابه، فقال : أما هؤلاء فقد قُتِلوا، فما مَلَكَ عمرُ نفسه ؛ فقال : كذبتَ - والله - يا عدوّ الله ؛ إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، قال : يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، إنكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بها ولم تَسُؤنِي، ثم جعل يزمجر : اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ، فقال النبي ﷺ : أجِيبُوهُ، قالوا يا رسول الله ما نقول ؟ قال : قُولُوا : اللهُ أعْلَى وأجَلُّ، قال : إنَّ لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ، فقال ﷺ : أجِيبُوه، قالوا ما نقول ؟ قال : قُولُوا : اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ. وروي هذا المعنى عن ابن عباس(١٥).
قوله :" وليعلم الله " ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلُّق هذه اللام وجهين :
أحدهما : أن اللام صلة لفعل مُضْمَر، يدل عليه أول الكلم، تقديره : وليعلم الله الذين آمنوا نُدَاوِلها.
الثاني : أن العامل فيها ( نُدَاوِلُهَا ) المذكور، بتقدير : نداولها بين الناس ليظهر أمرهم، ولنبين أعمالهم، وليعلم الله الذين آمنوا، فلما ظهر معنى اللام المضمر في " ليظهر "، و " لتتبين " جرت مجرى الظاهرة، فجاز العطف عليها.
وَجَوَّز أبو البقاء(١٦) أن تكون الواو زائدة، وعلى هذا، فاللام متعلقة ب ( نُدَاوِلُهَا ) من غير تقدير شيء، ولكن هذا لا حاجة إليه.
ولم يَجْنَحْ إلى زيادة الواو إلا الأخفش في مواضع - ليس هذا منها - ووافقه بعض الكوفيين على ذلك.
وقدَّرَه الزَّمَخْشَرِيُّ :" فعلنا
١ ينظر: السبعة ٢١٦، والكشف ١/٣٥٦، والحجة ٣/٧٩، وإعراب القراءات ١/١١٩، وحجة القراءات ١٧٤، وشرح الطيبة ٤/١٦٧، وشرح شعلة ٣٢٢، والعنوان ٨١، وإتحاف ١/٤٨٨..
٢ ينظر البيت في ديوانه (١٠٧) والهمع ١/١١٢ والدرر ١/٨٣ والدر المصون ٢/٢١٥ والبحر المحيط ٣/٦١..
٣ ينظر: الدر المصون ٢/٢١٥..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ١/٥١١، والبحر المحيط ٢/٦٨، والدر المصون ٢/٢١٥..
٥ في أ: بصيغة الجمع والتأنيث واضح..
٦ تقدم برقم ١٣٢..
٧ ينظر: المفردات ١١٥..
٨ البيت للمتنخل الهذلي –ينظر ديوان الهذليين ٢/٣٢ واللسان (قدح) وشرح أشعار الهذليين ٣/١٨٧٩ وتهذيب اللغة ٤/٣٧ وأمالي القالي ١/٥٢ والصحاح ٣/٣٩٥ والدر المصون ٢/٢١٥..
٩ ينظر: الدر المصون ٢/٢١٥..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٣٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٤١) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن الحسن..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٣٧- ٢٣٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٤١) وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٦٨) عن ابن عباس والحسن..

١٢ البيت لزهير بن علس –ينظر شواهد الكشاف ٤/٣٩ ومجمع الأمثال ٢/١٤٣ والبحر ٣/٦١ والمفضليات ص ٢ والدر المصون ٢/٢١٦..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٣/١٨، والدر المصون ٢/٢١٧..
١٤ ذكره الفخر الرازي في التفسير الكبير ٩/١٤..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٢٤٠) عن ابن عباس بمعناه..
١٦ ينظر: الإملاء ١/١٥٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى