فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
والقرح بالضم، والفتح : الجرح، وهما لغتان فيه، قاله الكسائي، والأخفش. وقال الفراء : هو : بالفتح الجرح، وبالضم ألمه.
وقرأ محمد بن السَّمَيْفَع :«قرح » بفتح القاف، والراء على المصدر.
والمعنى في الآية : إن نالوا منكم يوم أحد، فقد نلتم منهم يوم بدر، فلا تهنوا لما أصابكم في هذا اليوم، فإنهم لم يهنوا لما أصابهم في ذلك اليوم، وأنتم أولى بالصبر منهم. وقيل : إن المراد بما أصاب المؤمنين والكافرين في هذا اليوم، فإن المسلمين انتصروا عليهم في الابتداء، فأصابوا منهم جماعة، ثم انتصر الكفار عليهم، فأصابوا منهم. والأوّل أولى ؛ لأن ما أصابه المسلمون من الكفار في هذا اليوم لم يكن مثل ما أصابوه منهم فيه.
وقوله :﴿وَتِلْكَ الأيام﴾ أي : الكائنة بين الأمم في حروبها، والآتية فيما بعد كالأيام الكائنة في زمن النبوّة ؛ تارة تغلب هذه الطائفة، وتارة تغلب الأخرى، كما وقع لكم أيها المسلمون في يوم بدر، وأُحد، وهو معنى قوله :﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ فقوله :﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، ﴿والأيام﴾ صفته، والخبر ﴿نداولها﴾، وأصل المداولة : المعاورة، داولته بينهم : عاورته. والدولة : الكرة، ويجوز أن تكون الأيام خبراً، ونداولها حالاً، والأوّل أولى. وقوله :﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾ معطوف على علة مقدّرة كأنه قال : نداولها بين الناس ليظهر أمركم وليعلم، أو يكون المعلل محذوفاً، أي : ليعلم الله الذين اتقوا، فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل، أي : فعلنا فعل من يريد أن يعلم لأنه سبحانه لم يزل عالماً، أو ليعلم الله الذين آمنوا بصبرهم علماً يقع عليه الجزاء، كما علمه علماً أزلياً ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾ أي : يكرمهم بالشهادة. والشهداء جمع شهيد، سمي بذلك ؛ لكونه مشهوداً له بالجنة، أو جمع شاهد لكونه، كالمشاهد للجنة، و " من " للتبعيض، وهم شهداء أحد. وقوله :﴿والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ جملة معترضة بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير مضمون ما قبله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ قال : تداول من الكفار، والمؤمنين في الخير، والشرّ.
وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف عن سعيد بن جبير قال : أوّل ما نزل من آل عمران، ﴿هذا بَيَانٌ للنَّاسِ﴾ ثم أنزل بقيتها يوم أحد. وأخرج ابن جرير، عن الحسن في قوله :﴿هذا بَيَانٌ﴾ يعني : القرآن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي، عن ابن عباس قال : أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي ﷺ :«اللهم لا يعلون علينا» فأنزل الله :﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال : انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشعب يوم أحد، فسألوا ما فعل النبي ﷺ، وما فعل فلان، فنعى بعضهم لبعض، وتحدّثوا أن النبي ﷺ قد قتل، فكانوا في همّ وحزن، فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين، فوقهم على الجبل، وكانوا على أحد مجنبتي المشركين، وهم أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي فرحوا، فقال النبي ﷺ :«اللهم لا قوّة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء النفر، فلا تهلكهم» وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا، فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله :﴿وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك ﴿وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ قال : وأنتم الغالبون.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قال : جراح وقتل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله :﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مثْلُهُ﴾ قال : إن يقتل منكم يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله :﴿وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ قال : كان يوم أحد بيوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، من طريق ابن جريج، عن ابن عباس في قوله :﴿وَتِلْكَ الأيام﴾ الآية، قال : أدال المشركين على النبي ﷺ يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد الأسارى يوم بدر ثلاثة وسبعين رجلاً. وأخرج ابن جريج، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾ قال : إن المسلمين كانوا يسألون ربهم : اللهمّ ربنا أرنا يوماً، كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبليك فيه خيراً، ونلتمس فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
وأخرجا عنه في قوله :﴿وَلِيُمَحّصَ الله الذين آمَنُوا﴾ قال : يبتليهم ﴿وَيَمْحَقَ الكافرين﴾ قال : ينقصهم. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون : ليتنا نقتل، كما قتل أصحاب بدر، ونستشهد، أو ليت لنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونبلي فيه خيراً، ونلتمس الشهادة، والجنة، والحياة، والرزق، فأشهدهم الله أحداً، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم. فقال الله :﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن كليب قال : خطبنا عمر بن الخطاب، فكان يقرأ على المنبر آل عمران ويقول : إنها أحدية، ثم قال : تفرقنا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، فصعدت الجبل فسمعت يهودياً يقول : قتل محمد، فقلت : لا أسمع أحداً يقول : قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله ﷺ والناس يتراجعون إليه، فنزلت هذه الآية :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : نادى مناد يوم أحد ألا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأوّل، فأنزل الله :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾. وأخرج أيضاً عن مجاهد نحوه. وأخرج أيضاً عن عليّ في قوله :﴿وَسَيَجْزِى الله الشاكرين﴾ قال : الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه، فكان عليّ يقول : كان أبو بكر أمير الشاكرين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم عنه أنه كان يقول في حياة رسول الله ﷺ : إن الله يقول :﴿أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قتل عليه حتى أموت.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله :﴿رِبّيُّونَ﴾ قال : ألوف. وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك قال : الربة الواحدة ألف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿رِبّيُّونَ﴾ قال : جموع. وأخرج ابن جرير عنه قال : علماء كثير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَمَا استكانوا﴾ قال : تخشعوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ قال : خطايانا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى