جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : أم حسبتم يا معشر أصحاب محمد، وظننتم أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده¹ ﴿وَلمّا يَعلَمِ اللّهُ الّذِينَ جاهَدُوا مِنَكُمْ﴾ يقول : ولما يتبين لعبادي المؤمنين، المجاهد منكم في سبيل الله، على ما أمره به. وقد بينت معنى قوله :﴿وَلمّا يَعلَمِ اللّهُ﴾ : وليعلم الله، وما أشبه ذلك بأدلته فيما مضى بما أغنى عن إعادته وقوله :﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ يعني : الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنّةَ﴾ وتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدّة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ.
ونصب ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ على الصرف، والصرف أن يجتمع فعلان ببعض حروف النسق، وفي أوله ما لا يحسن إعادته مع حرف النسق، فينصب الذي بعد حرف العطف على الصرف، لأنه مصروف عن معنى الأوّل، ولكن يكون مع جحد أو استفهام أو نهي في أول الكلام، وذلك كقولهم : لا يسعني شيء ويضيق عنك، لأن «لا » التي مع «يسعني » لا يحسن إعادتها مع قوله :«ويضيق عنك »، فلذلك نصب. والقراء في هذا الحرف على النصب¹ وقد روى عن الحسن أنه كان يقرأ :«وَيَعْلَمِ الصّابِرِينَ » فيكسر الميم من «يعلم »، لأنه كان ينوي جزمها على العطف به على قوله :﴿وَلمّا يَعْلَمِ اللّهُ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى