معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إذ تصعدون﴾. يعني ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن، وقتادة، تصعدون بفتح التاء والعين، والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين. والإصعاد السير في مستوى الأرض، والصعود الارتفاع على الجبال والسطوح، قال أبو حاتم : يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، وقال المبرد : أصعد إذا أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب، فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد، وقال المفضل : صعد وأصعد بمعنى واحد.
قوله تعالى :﴿ولا تلوون على أحد﴾. أي لا تعرجون ولا تقيمون على أحد لا يلتفت بعضكم إلى بعض.
قوله تعالى :﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾. أي : في آخركم ومن ورائكم " إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة ".
قوله تعالى :﴿فأثابكم﴾. فجازاكم، جعل الإثابة بمعنى العقاب، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب، كقوله تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ). جعل البشارة في العذاب، ومعناه جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون.
قوله تعالى :﴿غماً بغم﴾. وقيل : الباء بمعنى على، أي غماً على غم، وقيل : غماً متصلاً بغم، فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني ما نالوا من القتل والهزيمة. وقيل : الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح. والغم الثاني ما سمعوا أن محمدا ﷺ قد قتل، فأنساهم الغم الأول وقيل : الغم الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم الثاني : حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه، فقال " أنا رسول الله " ﷺ، ففرحوا حين وجدوا رسول الله ﷺ، وفرح النبي ﷺ حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه، حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم أهمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله ﷺ " ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض "، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم. وقيل : إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغم غم القتل والهزيمة.
قوله تعالى :﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾. من الفتح والغنيمة.
قوله تعالى :﴿ولا ما أصابكم﴾. أي ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة.
قوله تعالى :﴿والله خبير بما تعملون﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى