البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الإصعاد : ابتداء السفر، والمخرج.
والصعود : مصدر صعد رقى من سفل إلى علو، قاله : الفراء، وأبو حاتم والزجاج.
وقال القتبي : أصعد أبعد في الذهاب، فكأنه إبعاد كإبعاد الارتفاع.
قال :
وأنشد أبو عبيدة :
وقال المفضل : صعد، وأصعد، وصعد بمعنى واحد.
والصعيد : وجه الأرض.
وصعدة : إسم من أسماء الأرض.
وأصعد : معناه دخل في الصعيد.
فات الشيء أعجز إدراكه، وهو متعد، ومصدره : فوت، وهو قياس فعل المتعدي.
﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ هذه الجمل التي تضمنت التوبيخ والعتب الشديد.
إذ هو تذكار بفرار من فرّ وبالغ في الهرب، ورسول الله ﷺ يدعوه إليه.
فمن شدّة الفرار واشتغاله بنفسه وهو يروم نجاتها لم يصغ إلى دعاء الرسول، وهذا من أعظم العتب حيث فرّ، والحالة أن رسول الله يدعوه إليه.
وقرأ الجمهور : تصعدون مضارع أصعد، والهمزة في أصعد للدخول.
أي : دخلتم في الصعيد، ذهبتم فيه.
كما تقول : أصبح زيد، أي دخل في الصباح.
فالمعنى : إذ تذهبون في الأرض.
وتبين ذلك قراءة أبي : إذ تصعدون في الوادي.
وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن ومجاهد وقتادة واليزيدي : تصعدون من صعد في الجبل إذا ارتقى إليه.
وقرأ أبو حيرة : تصعدون من تصعد في السلم، وأصله : تتصعدون، فحذفت إحدى التاءين على الخلاف في ذلك، أي تاء المضارعة ؟ أم تاء تفعل ؟ والجمع بينهما أنهم أولاً أصعدوا في الوادي لما أرهقهم العدو، وصعدوا في الجبل.
وقرأ ابن محيصن وابن كثير في رواية شبل : يصعدون ولا يلوون بالياء على الخروج من الخطاب إلى الغائب.
والعامل في إذا ذكر محذوفة.
أو عصيتم، أو تنازعتم، أو فشلتم، أو عفا عنكم، أو ليبتليكم، أو صرفكم، وهذان عن الزمخشري، وما قبله عن ابن عطية.
والثلاثة قبله بعيدة لطول الفصل.
والأول جيد، لأنَّ ما قبل إذ جمل مستقلة يحسن السكوت عليها، فليس لها تعلق إعرابي بما بعدها، إنما تتعلق به من حيث أنَّ السياق كله في قصة واحدة.
وتعلقه بصرفكم جيد من حيث المعنى، وبعفا عنكم جيد من حيث القرب.
ومعنى ولا تلوون على أحد : أي لا ترجعون لأحد من شدة الفرار.
يقال : لوى بكذا ذهب به.
ولوى عليه : كر عليه وعطف.
وهذا أشد في المبالغة من قوله :
أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا لأنه في الأية نفي عام، وفي هذا نفي خاص، وهو على من تعذرا، وقال دريد ابن الصمة : وهل يرد المنهزم شيء ؟ وقرئ تلو من بإبدال الواو همزة وذلك لكراهة اجتماع الواوين وقياس هذه الواو المضمومة، أن لا تبدل همزة لأن الضمة فيها عارضة، ومتى وقعت الواو غير، وهي مضمومة فلا يجوز الإبدال منها همزة إلا بشرطين أحدهما : أن تكون الضمة لازمة.
الثاني : أن لا تكون يمكن تخفيفها بالإسكان.
مثال ذلك : فووج وفوول.
وغوور.
فهنا يجوز فؤوج وقؤول وغؤور بالهمز.
ومثل كونها عارضة : هذا دلوك.
ومثل إمكان تخفيفها بالإسكان : هذا سور، ونور، جمع سوار ونوار.
فإنك تقول فيهما : سور ونور.
ونبه بعض أصحابنا على شرط آخر وهو لا بد منه، وهو : أن لا يكون مدغماً فيها نحو : تعود، فلا يجوز فيه تعود بإبدال الواو المضمومة همزة.
وزاد بعض النحويين شرطاً آخر وهو : أن لا تكون الواو زائدة نحو : الترهوك وهذا الشرط ليس مجمعاً عليه.
وقرأ الحسن : تلون، وخرجوها على قراءة من همز الواو، ونقل الحركة إلى اللام، وحذف الهمزة.
قال ابن عطية : وحذفت إحدى الواوين الساكنين، وكان قد قال في هذه القراءة : هي قراءة متركبة على قراءة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام انتهى.
وهذا كلام عجيب تخيل هذا الرجل أنه قد نقلت الحركة إلى اللام فاجتمع واوان ساكنان، إحداهما : الواو التي هي عين الكلمة، والأخرى : واو الضمير.
فحذفت إحدى الواوين لأنهما ساكنتان، وهذا قول من لم يمعن في صناعة النحو.
لأنها إذا كانت متركبة على لغة من همز الواو ثم نقل حركتها إلى اللام، فإن الهمزة إذ ذاك تحذف، ولا يلتقي واوان ساكنان.
ولو قال : استثقلت الضمة على الواو، لأن الضمة كأنها واو، فصار ذلك كأنه جمع ثلاث واواوت، فتنقلب الضمة إلى اللام، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى منهما، ولم يبهم في قوله إحدى الواوين لأمكن ذلك في توجيه هذه القراءة الشاذة، أما أنْ يبنى ذلك على أنه على لغة من همز على زعمه، فلا يتصور.
ويحتمل أن يكون مضارع ولي وعدي بعلي، على تضمين معنى العطف.
أي : لا تعطفون على أحد.
وقرأ الأعمش وأبو بكر في رواية عن عاصم : تلوون من ألوى، وهي لغة في لوى.
وظاهر قوله على أحد العموم.
وقيل : المراد النبي ﷺ، وعبر بأحد عنه تعظيماً له وصوناً لاسمه أن يذكر عند ذهابهم عنه، قاله : ابن عباس والكلبي.
وقرأ حميد بن قيس على أُحُد بضم الهمزة والحاء، وهو الجبل.
قال ابن عطية : والقراءة الشهيرة أقوى، لأن النبي ﷺ لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرّ الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم انتهى.
وقال غيره : الخطاب فيه لمن أمعن في الهرب ولم يصعد الجبل على من صعد.
ويجوز أن يكون أراد بقوله : ولا تلوون على أحد، أي من كان على جبل أحد، وهو النبي ﷺ ومن معه الذين صعدوا.
وتلوون هو من ليّ العنق، لأن مَن عرج على الشيء يلوي عنقه، أو عنان دابته.
والألف واللام في الرسول للعهد.
ودعاء رسول الله ﷺ، روي أنه كان يقول :« إليّ عباد الله » والناس يفرون عنه.
وروي :« أي عباد الله ارجعوا » قاله : ابن عباس : وفي رواية :« ارجعوا إليّ فإني رسول الله من يكر له الجنة » وهو قول : السدي، والربيع.
قال القرطبي : وكان دعاؤه تغيير للمنكر، ومحال أن يرى رسول الله ﷺ المنكر وهو الانهزام ثم لا ينهى عنه.
ومعنى في أخراكم : أي في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة.
يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول : في أولهم وأولاهم بتأويل مقدّمتهم وجماعتهم الأولى.
وفي قوله : في أخراكم دلالة عظيمة على شجاعة رسول الله ﷺ، فإن الوقوف على أعقاب الشجعان وهم فرار والثبات فيه إنما هو للأبطال الأنجاد، وكان رسول الله ﷺ أشجع الناس.
قال سلمة : كنا إذا احمرّ البأس اتقيناه برسول الله ﷺ.
﴿فأثابكم غماً بغم﴾ الفاعل بأثابكم هو الله تعالى.
وقال الفراء : الإثابة هنا بمعنى المغالبة انتهى.
وسمي الغم ثواباً على معنى أنه قائم في هذه النازلة مقام الثواب الذي كان يحصل لولا الفرار.
فهو نظير قوله :
تحية بينهم ضرب وجيع *** وقوله :
جعل القيود والسياط عطاء، ومحدرجة بمعنى مدحرجة.
والباء في بغم : إمّا أن تكون للمصاحبة، أو للسبب.
فإن كانت للمصاحبة وهي التي عبر بعضهم عنها بمعنى : مع.
والمعنى : غماً مصاحباً لغم، فيكون الغمان إذ ذاك لهم.
فالأول : هو ما أصابهم من الهزيمة والقتل.
والثاني : إشراف خالد بخيل المشركين عليهم، قاله : ابن عباس، ومقاتل.
وقيل : الغم الأوّل سببه فرارهم الأوّل، والثاني سببه فرارهم حين سمعوا أن محمداً قد قتل قاله : مجاهد.
وقيل : الأوّل ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من الجراح والقتل.
والثاني حين سمعوا أن النبي ﷺ قتل، قاله : قتادة والربيع.
وقيل : عكس هذا الترتيب، وعزاه ابن عطية إلى قتادة ومجاهد.
وقيل : الأول ما فاتهم من الغنيمة والفتح.
والثاني : إشراف أبي سفيان عليهم، ذكره الثعلبي.
وقيل : الأول هو قتلهم وجراحهم وكل ما جرى في ذلك المأزق.
والثاني : إشراف أبي سفيان على النبي ﷺ ومن كان معه، قاله : السدي ومجاهد أيضاً وغيرهما.
وعبر الزمخشري عن هذا المعنى وهو اجتماع الغمين لهم بقوله : غماً بعد غم، وغماً متصلاً بغم من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ﷺ، والجرح، والقتل، وظفر المشركين، وفوت الغنيمة، والنصر انتهى كلامه.
وقوله : غماً بعد غم تفسير للمعنى، لا تفسير إعراب.
لأن الباء لا تكون بمعنى بعد.
وإن كان بعضهم قد ذهب إلى ذلك.
ولذلك قال بعضهم : إن المعنى غماً على غم، فينبغي أن يحمل على تفسير المعنى، وإن كان بعضهم قد ذهب إلى ذلك.
وإن كانت الباء للسبب وهي التي عبر بعضهم عنها أنها بمعنى الجزاء، فيكون الغم الأوّل للصحابة.
والثاني قال الحسن وغيره : متعلقه المشركون يوم بدر.
والمعنى : أثابكم غماً بالغم الذي أوقع على أيديكم بالكفار يوم بدر.
قال ابن عطية : فالباء على هذا باء معادلة، كما قال أبو سفيان يوم بدر : والحرب سجال.
وقال قوم منهم الزجاج، وتبعه الزمخشري : متعلقه رسول الله ﷺ، والمعنى : جازاكم غماً بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وسائر المؤمنين بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم.
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الضمير في : فأثابكم للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم عما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم، كيلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله، ولا على ما أصابكم من غلبة العدوّ انتهى كلامه.
وهو خلاف الظاهر.
لأن المسند إليه الأفعال السابقة هو الله تعالى، وذلك في قوله :﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ وقوله :﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ ﴿ولقد عفا عنكم﴾ والله فيكون قوله : والله فيكون قوله : فأثابكم مسنداً إلى الله تعالى.
وذكر الرسول إنما جاء في جملة حالية نعى عليهم فرارهم مع كون من اهتدوا على يده يدعوهم، فلم يجيء مقصوداً لأن يحدث عنه، إنما الجملة التي ذكر فيها في تقدير المفرد إذ هي حال.
وقال الزمخشري : فأثابكم عطف على صرفكم انتهى.
وفيه بعدٌ لطول الفصل بين المتعاطفين.
والذي يظهر أنه معطوف على تصعدون ولا تلوون، لأنه مضارع في معنى الماضي، لأن إذ تصرف المضارع إلى الماضي، إذ هي ظرف لما مضى.
والمعنى : إذ صعدتم وما لويتم على أحد فأثابكم.
﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾ اللام لام كي، وتتعلق بقوله : فأثابكم.
فقيل : لا زائدة لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن.
فالمعنى : على أنه غمهم ليحزنهم عقوبة لهم على تركهم موافقتهم قاله : أبو البقاء وغيره.
وتكون كهي في قوله :﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ إذ تقديره : لأن يعلم.
ويكون أعلمهم بذلك تبكيتاً لهم، وزجراً أنْ يعودوا لمثله.
والجمهور على أن لا ثابتة على معناها من النفي.
واختلفوا في تعليل الإثابة بانتفاء الحزن على ما ذكر.
فقال الزمخشري : لكيلا تحزنوا لتتمرّنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من
والصعود : مصدر صعد رقى من سفل إلى علو، قاله : الفراء، وأبو حاتم والزجاج.
وقال القتبي : أصعد أبعد في الذهاب، فكأنه إبعاد كإبعاد الارتفاع.
قال :
| ألا أيهذا السائلي أين صعدت | فإن لها في أرض يثرب موعدا |
| قد كنت تبكيني على الاصعاد | فاليوم سرحت وصاح الحادي |
والصعيد : وجه الأرض.
وصعدة : إسم من أسماء الأرض.
وأصعد : معناه دخل في الصعيد.
فات الشيء أعجز إدراكه، وهو متعد، ومصدره : فوت، وهو قياس فعل المتعدي.
﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ هذه الجمل التي تضمنت التوبيخ والعتب الشديد.
إذ هو تذكار بفرار من فرّ وبالغ في الهرب، ورسول الله ﷺ يدعوه إليه.
فمن شدّة الفرار واشتغاله بنفسه وهو يروم نجاتها لم يصغ إلى دعاء الرسول، وهذا من أعظم العتب حيث فرّ، والحالة أن رسول الله يدعوه إليه.
وقرأ الجمهور : تصعدون مضارع أصعد، والهمزة في أصعد للدخول.
أي : دخلتم في الصعيد، ذهبتم فيه.
كما تقول : أصبح زيد، أي دخل في الصباح.
فالمعنى : إذ تذهبون في الأرض.
وتبين ذلك قراءة أبي : إذ تصعدون في الوادي.
وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن ومجاهد وقتادة واليزيدي : تصعدون من صعد في الجبل إذا ارتقى إليه.
وقرأ أبو حيرة : تصعدون من تصعد في السلم، وأصله : تتصعدون، فحذفت إحدى التاءين على الخلاف في ذلك، أي تاء المضارعة ؟ أم تاء تفعل ؟ والجمع بينهما أنهم أولاً أصعدوا في الوادي لما أرهقهم العدو، وصعدوا في الجبل.
وقرأ ابن محيصن وابن كثير في رواية شبل : يصعدون ولا يلوون بالياء على الخروج من الخطاب إلى الغائب.
والعامل في إذا ذكر محذوفة.
أو عصيتم، أو تنازعتم، أو فشلتم، أو عفا عنكم، أو ليبتليكم، أو صرفكم، وهذان عن الزمخشري، وما قبله عن ابن عطية.
والثلاثة قبله بعيدة لطول الفصل.
والأول جيد، لأنَّ ما قبل إذ جمل مستقلة يحسن السكوت عليها، فليس لها تعلق إعرابي بما بعدها، إنما تتعلق به من حيث أنَّ السياق كله في قصة واحدة.
وتعلقه بصرفكم جيد من حيث المعنى، وبعفا عنكم جيد من حيث القرب.
ومعنى ولا تلوون على أحد : أي لا ترجعون لأحد من شدة الفرار.
يقال : لوى بكذا ذهب به.
ولوى عليه : كر عليه وعطف.
وهذا أشد في المبالغة من قوله :
أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا لأنه في الأية نفي عام، وفي هذا نفي خاص، وهو على من تعذرا، وقال دريد ابن الصمة : وهل يرد المنهزم شيء ؟ وقرئ تلو من بإبدال الواو همزة وذلك لكراهة اجتماع الواوين وقياس هذه الواو المضمومة، أن لا تبدل همزة لأن الضمة فيها عارضة، ومتى وقعت الواو غير، وهي مضمومة فلا يجوز الإبدال منها همزة إلا بشرطين أحدهما : أن تكون الضمة لازمة.
الثاني : أن لا تكون يمكن تخفيفها بالإسكان.
مثال ذلك : فووج وفوول.
وغوور.
فهنا يجوز فؤوج وقؤول وغؤور بالهمز.
ومثل كونها عارضة : هذا دلوك.
ومثل إمكان تخفيفها بالإسكان : هذا سور، ونور، جمع سوار ونوار.
فإنك تقول فيهما : سور ونور.
ونبه بعض أصحابنا على شرط آخر وهو لا بد منه، وهو : أن لا يكون مدغماً فيها نحو : تعود، فلا يجوز فيه تعود بإبدال الواو المضمومة همزة.
وزاد بعض النحويين شرطاً آخر وهو : أن لا تكون الواو زائدة نحو : الترهوك وهذا الشرط ليس مجمعاً عليه.
وقرأ الحسن : تلون، وخرجوها على قراءة من همز الواو، ونقل الحركة إلى اللام، وحذف الهمزة.
قال ابن عطية : وحذفت إحدى الواوين الساكنين، وكان قد قال في هذه القراءة : هي قراءة متركبة على قراءة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام انتهى.
وهذا كلام عجيب تخيل هذا الرجل أنه قد نقلت الحركة إلى اللام فاجتمع واوان ساكنان، إحداهما : الواو التي هي عين الكلمة، والأخرى : واو الضمير.
فحذفت إحدى الواوين لأنهما ساكنتان، وهذا قول من لم يمعن في صناعة النحو.
لأنها إذا كانت متركبة على لغة من همز الواو ثم نقل حركتها إلى اللام، فإن الهمزة إذ ذاك تحذف، ولا يلتقي واوان ساكنان.
ولو قال : استثقلت الضمة على الواو، لأن الضمة كأنها واو، فصار ذلك كأنه جمع ثلاث واواوت، فتنقلب الضمة إلى اللام، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى منهما، ولم يبهم في قوله إحدى الواوين لأمكن ذلك في توجيه هذه القراءة الشاذة، أما أنْ يبنى ذلك على أنه على لغة من همز على زعمه، فلا يتصور.
ويحتمل أن يكون مضارع ولي وعدي بعلي، على تضمين معنى العطف.
أي : لا تعطفون على أحد.
وقرأ الأعمش وأبو بكر في رواية عن عاصم : تلوون من ألوى، وهي لغة في لوى.
وظاهر قوله على أحد العموم.
وقيل : المراد النبي ﷺ، وعبر بأحد عنه تعظيماً له وصوناً لاسمه أن يذكر عند ذهابهم عنه، قاله : ابن عباس والكلبي.
وقرأ حميد بن قيس على أُحُد بضم الهمزة والحاء، وهو الجبل.
قال ابن عطية : والقراءة الشهيرة أقوى، لأن النبي ﷺ لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرّ الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم انتهى.
وقال غيره : الخطاب فيه لمن أمعن في الهرب ولم يصعد الجبل على من صعد.
ويجوز أن يكون أراد بقوله : ولا تلوون على أحد، أي من كان على جبل أحد، وهو النبي ﷺ ومن معه الذين صعدوا.
وتلوون هو من ليّ العنق، لأن مَن عرج على الشيء يلوي عنقه، أو عنان دابته.
والألف واللام في الرسول للعهد.
ودعاء رسول الله ﷺ، روي أنه كان يقول :« إليّ عباد الله » والناس يفرون عنه.
وروي :« أي عباد الله ارجعوا » قاله : ابن عباس : وفي رواية :« ارجعوا إليّ فإني رسول الله من يكر له الجنة » وهو قول : السدي، والربيع.
قال القرطبي : وكان دعاؤه تغيير للمنكر، ومحال أن يرى رسول الله ﷺ المنكر وهو الانهزام ثم لا ينهى عنه.
ومعنى في أخراكم : أي في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة.
يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول : في أولهم وأولاهم بتأويل مقدّمتهم وجماعتهم الأولى.
وفي قوله : في أخراكم دلالة عظيمة على شجاعة رسول الله ﷺ، فإن الوقوف على أعقاب الشجعان وهم فرار والثبات فيه إنما هو للأبطال الأنجاد، وكان رسول الله ﷺ أشجع الناس.
قال سلمة : كنا إذا احمرّ البأس اتقيناه برسول الله ﷺ.
﴿فأثابكم غماً بغم﴾ الفاعل بأثابكم هو الله تعالى.
وقال الفراء : الإثابة هنا بمعنى المغالبة انتهى.
وسمي الغم ثواباً على معنى أنه قائم في هذه النازلة مقام الثواب الذي كان يحصل لولا الفرار.
فهو نظير قوله :
تحية بينهم ضرب وجيع *** وقوله :
| أخاف زياد أن يكون عطاؤه | أداهم سوداً أو محدرجة سمرا |
والباء في بغم : إمّا أن تكون للمصاحبة، أو للسبب.
فإن كانت للمصاحبة وهي التي عبر بعضهم عنها بمعنى : مع.
والمعنى : غماً مصاحباً لغم، فيكون الغمان إذ ذاك لهم.
فالأول : هو ما أصابهم من الهزيمة والقتل.
والثاني : إشراف خالد بخيل المشركين عليهم، قاله : ابن عباس، ومقاتل.
وقيل : الغم الأوّل سببه فرارهم الأوّل، والثاني سببه فرارهم حين سمعوا أن محمداً قد قتل قاله : مجاهد.
وقيل : الأوّل ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من الجراح والقتل.
والثاني حين سمعوا أن النبي ﷺ قتل، قاله : قتادة والربيع.
وقيل : عكس هذا الترتيب، وعزاه ابن عطية إلى قتادة ومجاهد.
وقيل : الأول ما فاتهم من الغنيمة والفتح.
والثاني : إشراف أبي سفيان عليهم، ذكره الثعلبي.
وقيل : الأول هو قتلهم وجراحهم وكل ما جرى في ذلك المأزق.
والثاني : إشراف أبي سفيان على النبي ﷺ ومن كان معه، قاله : السدي ومجاهد أيضاً وغيرهما.
وعبر الزمخشري عن هذا المعنى وهو اجتماع الغمين لهم بقوله : غماً بعد غم، وغماً متصلاً بغم من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ﷺ، والجرح، والقتل، وظفر المشركين، وفوت الغنيمة، والنصر انتهى كلامه.
وقوله : غماً بعد غم تفسير للمعنى، لا تفسير إعراب.
لأن الباء لا تكون بمعنى بعد.
وإن كان بعضهم قد ذهب إلى ذلك.
ولذلك قال بعضهم : إن المعنى غماً على غم، فينبغي أن يحمل على تفسير المعنى، وإن كان بعضهم قد ذهب إلى ذلك.
وإن كانت الباء للسبب وهي التي عبر بعضهم عنها أنها بمعنى الجزاء، فيكون الغم الأوّل للصحابة.
والثاني قال الحسن وغيره : متعلقه المشركون يوم بدر.
والمعنى : أثابكم غماً بالغم الذي أوقع على أيديكم بالكفار يوم بدر.
قال ابن عطية : فالباء على هذا باء معادلة، كما قال أبو سفيان يوم بدر : والحرب سجال.
وقال قوم منهم الزجاج، وتبعه الزمخشري : متعلقه رسول الله ﷺ، والمعنى : جازاكم غماً بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وسائر المؤمنين بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم.
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الضمير في : فأثابكم للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم عما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم، كيلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله، ولا على ما أصابكم من غلبة العدوّ انتهى كلامه.
وهو خلاف الظاهر.
لأن المسند إليه الأفعال السابقة هو الله تعالى، وذلك في قوله :﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ وقوله :﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ ﴿ولقد عفا عنكم﴾ والله فيكون قوله : والله فيكون قوله : فأثابكم مسنداً إلى الله تعالى.
وذكر الرسول إنما جاء في جملة حالية نعى عليهم فرارهم مع كون من اهتدوا على يده يدعوهم، فلم يجيء مقصوداً لأن يحدث عنه، إنما الجملة التي ذكر فيها في تقدير المفرد إذ هي حال.
وقال الزمخشري : فأثابكم عطف على صرفكم انتهى.
وفيه بعدٌ لطول الفصل بين المتعاطفين.
والذي يظهر أنه معطوف على تصعدون ولا تلوون، لأنه مضارع في معنى الماضي، لأن إذ تصرف المضارع إلى الماضي، إذ هي ظرف لما مضى.
والمعنى : إذ صعدتم وما لويتم على أحد فأثابكم.
﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾ اللام لام كي، وتتعلق بقوله : فأثابكم.
فقيل : لا زائدة لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن.
فالمعنى : على أنه غمهم ليحزنهم عقوبة لهم على تركهم موافقتهم قاله : أبو البقاء وغيره.
وتكون كهي في قوله :﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ إذ تقديره : لأن يعلم.
ويكون أعلمهم بذلك تبكيتاً لهم، وزجراً أنْ يعودوا لمثله.
والجمهور على أن لا ثابتة على معناها من النفي.
واختلفوا في تعليل الإثابة بانتفاء الحزن على ما ذكر.
فقال الزمخشري : لكيلا تحزنوا لتتمرّنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من