غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
﴿القراءات﴾ :﴿الرعب﴾ بضمتين حيث كان : ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب. الباقون : بسكون العين - ﴿ومأواهم﴾ وبابه بغير همز : أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. ﴿ولقد صدقكم﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد : حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل. ﴿وتغشى﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة : حمزة وعلي وخلف. الباقون : بياء الغيبة ﴿كله﴾ بالرفع : أبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون : بالنصب ﴿يعملون بصير﴾ بياء الغيبة : ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة. الباقون : بالخطاب ﴿متم﴾ و ﴿متنا﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان : نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلا ههنا لجوار ﴿قتلتم﴾ الباقون : بضم الميم من مات يموت. ﴿يجمعون﴾ بياء الغيبة : حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.
الوقوف :﴿سلطاناً﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿النار﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ه ﴿بإذنه﴾ ج لأن " حتى " تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران " إذا " مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره. والوقف على ﴿تحبون﴾ ظاهر في الوجهين. ﴿الآخرة﴾ ج لأن " ثم " لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿صرفكم﴾ على الجواب المحذوف. ﴿ليبتليكم﴾ ج ﴿عفا عنكم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿أصابكم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿طائفة منكم﴾ ( لا ) لأن الواو للحال. ﴿الجاهلية﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿لله﴾ ط ﴿يبدون لك﴾ ط ﴿ههنا﴾ ط ﴿مضاجعهم﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم. ﴿وليبتلي﴾ ﴿ما في قلوبكم﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿الجمعان﴾ ( لا ) لأن إنما خبر إن ﴿كسبوا﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿عنهم﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿وما قتلوا﴾ ج لأن لام ﴿يجعل﴾ قد يتعلق بقوله :﴿وقالوا لإخوانهم﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿تجمعون﴾ ه ﴿تحشرون﴾ ه ﴿لنت لهم﴾ ج لأن الواو للعطف و " لو " للشرط ﴿من حولك﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿الأمر﴾ ج لفاء التعقيب مع " إذا " الشرطية ﴿على الله﴾ ط ﴿المتوكلين﴾ ه ﴿لكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿من بعده﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
قوله سبحانه :﴿إذ تصعدون﴾ إما مستأنف بإضمار " واذكر " وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه. أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها. قال أبو معاذ النحوي : كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ولا تلوون على أحد﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته. ﴿والرسول يدعوكم﴾ كان يقول : إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة. فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو. ﴿في أخراكم﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه ﷺ وبقي هو في الجماعة المتأخرة. يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى. ﴿فأثابكم﴾ قال في الكشاف : إنه عطف على صرفكم. وأقول : لا يبعد أن يعطف على ﴿تصعدون﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال : ثاب إليه أي رجع. والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها. فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.
فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم : عتابك السيف وتحيتك الضرب. أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور. والباء في ﴿بغم﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو : بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة. أما الاحتمال الأول ففيه وجوه : قال الزجاج : إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام. وقيل : المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم. وقال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين. وفي الكشاف : يجوز أن يكون الضمير في ﴿فأثابكم﴾ للرسول أي فأساكم في الاغتنام. فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها. وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان : أحدهما أن يكون هناك غمان : الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة. أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً. أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين. أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول ﷺ. أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة يعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة. وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها. ثم اللام في قوله :﴿لكيلا تحزنوا﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله :﴿ولقد عفا عنكم﴾ لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله :﴿فأثابكم﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج : إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله. وعلى قول الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائدها. قالت الأشاعرة : معنى إثابة الغم من الله تعالى خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء. وأما المعتزلة فإنهم يقولون : الغم فعل العبد لكنه أسند إليه تعالى لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.
وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال. وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ. وإن جعلت الباء بمعنى " مع " فالمعنى كما في قول الزجاج : أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى. ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال :﴿والله خبير بما تعملون﴾ عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولقد صدقكم الله﴾ أيها الطلاب ﴿وعده﴾ ألا من طلبني وجدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿من بعد ما أراكم﴾ الدليل بالتربية ﴿ما تحبون﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة. قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال : ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ولقد عفا عنكم﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿والله خبير بما تعملون﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.
ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة. فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة. وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ظن الجاهلية﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره. هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء ؟ ﴿ما قتلنا ههنا﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ أنها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾[الأعراف: ٤٣]﴿يوسوس في صدور الناس﴾
[الناس: ٥] ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾[المجادلة: ٢٢]﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾[الرعد: ٢٨] ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم. ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ ليعلم أن الله تعالى في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو. ومن هنا قال :" لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان. لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون. وباقي الحقائق قد مرت في التفسير. وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك القوى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها. ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.
الوقوف :﴿سلطاناً﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿النار﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ه ﴿بإذنه﴾ ج لأن " حتى " تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران " إذا " مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره. والوقف على ﴿تحبون﴾ ظاهر في الوجهين. ﴿الآخرة﴾ ج لأن " ثم " لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿صرفكم﴾ على الجواب المحذوف. ﴿ليبتليكم﴾ ج ﴿عفا عنكم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿أصابكم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿طائفة منكم﴾ ( لا ) لأن الواو للحال. ﴿الجاهلية﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿لله﴾ ط ﴿يبدون لك﴾ ط ﴿ههنا﴾ ط ﴿مضاجعهم﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم. ﴿وليبتلي﴾ ﴿ما في قلوبكم﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿الجمعان﴾ ( لا ) لأن إنما خبر إن ﴿كسبوا﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿عنهم﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿وما قتلوا﴾ ج لأن لام ﴿يجعل﴾ قد يتعلق بقوله :﴿وقالوا لإخوانهم﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿تجمعون﴾ ه ﴿تحشرون﴾ ه ﴿لنت لهم﴾ ج لأن الواو للعطف و " لو " للشرط ﴿من حولك﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿الأمر﴾ ج لفاء التعقيب مع " إذا " الشرطية ﴿على الله﴾ ط ﴿المتوكلين﴾ ه ﴿لكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿من بعده﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
قوله سبحانه :﴿إذ تصعدون﴾ إما مستأنف بإضمار " واذكر " وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه. أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها. قال أبو معاذ النحوي : كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ولا تلوون على أحد﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته. ﴿والرسول يدعوكم﴾ كان يقول : إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة. فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو. ﴿في أخراكم﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه ﷺ وبقي هو في الجماعة المتأخرة. يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى. ﴿فأثابكم﴾ قال في الكشاف : إنه عطف على صرفكم. وأقول : لا يبعد أن يعطف على ﴿تصعدون﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال : ثاب إليه أي رجع. والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها. فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.
فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم : عتابك السيف وتحيتك الضرب. أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور. والباء في ﴿بغم﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو : بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة. أما الاحتمال الأول ففيه وجوه : قال الزجاج : إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام. وقيل : المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم. وقال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين. وفي الكشاف : يجوز أن يكون الضمير في ﴿فأثابكم﴾ للرسول أي فأساكم في الاغتنام. فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها. وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان : أحدهما أن يكون هناك غمان : الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة. أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً. أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين. أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول ﷺ. أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة يعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة. وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها. ثم اللام في قوله :﴿لكيلا تحزنوا﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله :﴿ولقد عفا عنكم﴾ لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله :﴿فأثابكم﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج : إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله. وعلى قول الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائدها. قالت الأشاعرة : معنى إثابة الغم من الله تعالى خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء. وأما المعتزلة فإنهم يقولون : الغم فعل العبد لكنه أسند إليه تعالى لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.
وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال. وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ. وإن جعلت الباء بمعنى " مع " فالمعنى كما في قول الزجاج : أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى. ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال :﴿والله خبير بما تعملون﴾ عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.
ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة. فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة. وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ظن الجاهلية﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره. هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء ؟ ﴿ما قتلنا ههنا﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ أنها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾[الأعراف: ٤٣]﴿يوسوس في صدور الناس﴾
[الناس: ٥] ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾[المجادلة: ٢٢]﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾[الرعد: ٢٨] ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم. ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ ليعلم أن الله تعالى في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو. ومن هنا قال :" لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان. لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون. وباقي الحقائق قد مرت في التفسير. وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك القوى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها. ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.