زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ﴾ قال المفسرون :" إذ " متعلقة بقوله تعالى :﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ وأكثر القراء على ضم التاء، وكسر العين من قوله :﴿تُصْعِدُونَ﴾ وهو من الإصعاد، وروى أبان عن ثعلب، عن عاصم فتحها، وهي قراءة الحسن، ومجاهد، وهو من الصعود. قال الفراء : الإصعاد في ابتداء الأسفار، والمخارج، تقول : أصعدنا من بغداد إلى خراسان، فإذا صعدت على سلم أو درجة، قلت : صعدت، ولا تقول : أصعدت. وقال الزجاج : كل من ابتدأ مسيرا من مكان، فقد أصعد، فأما الصعود، فهو من أسفل إلى فوق، ومن فتح التاء والعين، أراد الصعود في الجبل، وللمفسرين في معنى الآية قولان :
أحدهما : أنه صعودهم في الجبل، قاله ابن عباس، ومجاهد.
والثاني : أنه الإبعاد في الهزيمة قاله قتادة، وابن قتيبة و﴿تَلْوُونَ﴾ بمعنى :( تعرجون ).
وقوله تعالى :﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ عام، وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي ﷺ، قال : والنبي ﷺ، يناديهم من خلفهم :( إليّ عباد الله، أنا رسول الله ) وقرأت عائشة، وأبو مجلز، وأبو الجوزاء، وحميد، " على أُحد " بضم الألف والحاء، يعنون الجبل.
قوله تعالى :﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي : جازاكم. قال الفراء : الإثابة هاهنا : بمعنى : عقاب، ولكنه كما قال الشاعر :
أخاف زيادا أن يكون عطاؤهأداهم سودا أو محدرجة سمرا
المحدرجة : السياط. والسود فيما يقال : القيود.
قوله تعالى ﴿غَمّاً بِغَمّ﴾ في هذه الباء أربعة أقوال :
أحدها : أنها بمعنى " مع ".
والثاني : بمعنى " بعد ".
و الثالث : بمعنى :" على "، فعلى هذه الثلاثة الأقوال يتعلق الغمان بالصحابة. وللمفسرين في المراد بهذين الغمين، خمسة أقوال :
أحدها : أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل. والثاني : إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم، قاله ابن عباس، ومقاتل.
والثاني : أن الأول فرارهم الأول، والثاني : فرارهم حين سمعوا أن محمد قد قتل، قاله مجاهد.
والثالث : أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، وأصابهم من القتل والجراح. والثاني : حين سمعوا أن النبي ﷺ، قد قُتل قاله قتادة.
والرابع : أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، والفتح. والثاني : إشراف أبي سفيان عليهم، قاله السدي.
والخامس : أن الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم. والثاني : إشراف أبي سفيان عليهم، ذكره الثعلبي.
والقول الرابع : أن الباء بمعنى الجزاء، فتقديره : غمكم كما غممتم غيركم، فيكون أحد الغمين للصحابة، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين، ويكون الغم الذي جوزوا لأجله لغيرهم. وفي المراد بغيرهم قولان :
أحدهما : أنهم المشركون غموهم يوم بدر، قاله الحسن.
والثاني : أنه النبي ﷺ، غموه حيث خالفوه، فجوزوا على ذلك، بأن غموا بما أصابهم، قاله الزجاج.
قوله تعالى ﴿لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ﴾ في " لا " قولان :
أحدهما : أنها باقية على أصلها، ومعناها : النفي، فعلى هذا في معنى الكلام قولان :
أحدهما : فأثابكم غما أنساكم الحزن على ما فاتكم، وما أصابكم، وقد روي أنهم لما سمعوا أن النبي قد قتل، نسوا ما أصابهم، وما فاتهم.
والثاني : أنه متصل بقوله ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فمعنى الكلام : عفا عنكم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم، لأن عفوه يذهب كل غم.
والقول الثاني : أنها صلة، ومعنى الكلام : لكي تحزنوا على ما فاتكم، وأصابكم عقوبة لكم في خلافكم. ومثلها قوله تعالى :﴿لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيء مّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩]. أي : ليعلم هذا قول المفضل. قال ابن عباس : والذي فاتهم : الغنيمة، والذي أصابهم : القتل والهزيمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى