اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
إنما ثُنّي " الْجَمْعَان " - وإن كان اسم جمع - وقد نَصَّ النُّحَاةُ على أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع إلا شذوذاً- لأنه أريد به النوع ؛ فإن المعنى جَمْع المؤمنين وجَمْع المشركين، فلما أريد به ذلك ثُنِّي، كقوله :[ الطويل ]
﴿تَوَلَّوْاْ﴾ انهزموا ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أُحُدٍ، وكان قد انهزم أكْثَرُ المسلمين، ولم يَبْقَ مع رسول الله ﷺ، إلا ثلاثةَ عشر رجلاً، ستةٌ من المهاجرين : أبُو بَكْرٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بن الجراح وعليٌّ، وطَلْحَة، وعبد الرحمن بن عَوْفٍ، وسعد بن أبي وَقَّاصٍ - وسبعة من الأنصار - حباب بن المنذر وأبو دُجَانَة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصِّمَّة، وسهل بن حُنَيْف، وأسَيْد بن حُضَيْر، وسعد بن مُعَاذٍ(٢)- وقيل : أرْبَعَةَ عشَرَ ؛ سبعةٌ من المهاجرين، فذكر الزبير بن العوّام معهم، وسبعةٌ من الأنصار.
وقيل : إن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت : ثلاثة من المهاجرين : طلحة، والزبير، وعلي، وخمسة من الأنصار : أبو دُجَانة، والحارث بن الصِّمَّة، وحباب بن المُنْذِرِ، وعاصم بن ثابتٍ، وسهل بن حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد.
ورُوي أنه أصيب مع رسول الله ﷺ نحو ثلاثينَ، كلهم يجيء، ويَجْثو بين يديه، ويقول : وجهي لوجهك الفداء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك السَّلامُ غيرَ مُودَّعٍ.
قوله :﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ السين في ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ للطلب، والظاهر أن استفعل ها هنا - بمعنى أفْعَل ؛ لأن القصة تدلُّ عليه، فالمعنى : حَمَلَه على الزلة، فيكون ك " اسْتَلَّ " و " أبَلَّ ". و " أزَلَّ " واستزلَّ بمعنى وَاحِدٍ، قال تعالى :
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦].
وقال ابن قتيبةَ :﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ طلب زلَّتَهُمْ، كما يقال : استعجلته : أي : طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله.
قال الكعبيُّ : الآية تدلُّ على أن المعاصيَ لا تُنْسَب إلى الله ؛ فإنه -تعالى- نسبها هنا إلى الشِّيْطَانِ، فهو كقوله تعالى - حكاية عن موسى - :﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
[القصص: ١٥] وكقوله - حكاية عن يُوسفَ - :﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله - حكاية عن صاحب موسى - :﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].
قوله :﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ فيه وجهانِ :
الأول : أن الباء للإلصاق، كقولك : كتبت بالقَلَم، وقطعت بالسِّكِّين، والمعنى : أنه قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطتها قدر الشيطان على استزلالهم، وعلى هذا التقدير اختلفوا :
فقال الزَّجَّاجُ : إنهم لم يتولَّوْا عناداً، ولا فراراً من الزَّحْف، رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكَّرهم الشيطانُ ذنوباً - كانت لهم - فكرهوا البقاء إلا على حالٍ يَرْضَوْنَهَا.
وقيل : لما أذنبوا - بمفارقة المركز، أو برغبتهم في الغنيمة، أو بفشلهم عن الجهاد - أزلَّهم الشيطانُ بهذه المعصيةِ، وأوقعهم في الهزيمة.
الثاني : أن تكونَ الباء للتبعيض، والمعنى : أنَّ هذه الزَّلَّةَ وقعت لهم في بعض أعمالهم.
قوله :﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ هذه الآية تدل على أن تلك الزَّلَّة ما كانت بسبب الكُفْرِ ؛ فإن العفو عن الكفر لا يجوز ؛ لقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾
[النساء: ٤٨] فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز.
قالت المعتزلة : ذلك الذنب إن كان من الصغائر، جاء العفو عنه من غير توبةٍ، وإن كان من الكبائر لم يَجُز العفو عنه من غيب توبة - وإن كان ذلك غير مذكور في الآية.
قال القاضي : والأقربُ أن ذلك الذنب كان من الصغائر، لوجهين :
أحدهما : أنه لا يكاد - في الكبائر - يقال :[ إنها زَلَّة ](٣)، إنما يقال ذلك في الصغائر.
الثاني : أن القوم ظنوا أنَّ الهزيمةَ لما وقعت على المشركين، لم يَبْقَ إلى ثباتهم في ذلك المكانِ حاجة فلا جرم -انقلبوا عنه، وتحوَّلوا لطلب الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مَدْخَلاً.
قال ابنُ الخَطِيبِ : وهذه تكلُّفات لا حاجة إليها، وقد بينَّا كونها من الكبائر، والاجتهاد لا مدخل له مع النص الصريح بلزوم المركز، سواء كانت الغلبة لهم، أو عليهم.
ثم قال :﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة، وهذا يدل على أن ذلك الذنب كان من الكبائر ؛ لأن لو كان من الصغائر لوجب أن يعفو عنه - على قول المعتزلة - ولو كان العفو واجباً لما حَسُنَ التمدُّح به ؛ لأن من يظلم إنساناً لا يحسُن ان يتمدّح بأنه عفا عنه، وغفر له.
| وَكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وَإنْ هُمَا | تَعَاطَى الْقَنَا قَوْماً هُمَا أخَوَانِ(١) |
فصل
﴿تَوَلَّوْاْ﴾ انهزموا ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أُحُدٍ، وكان قد انهزم أكْثَرُ المسلمين، ولم يَبْقَ مع رسول الله ﷺ، إلا ثلاثةَ عشر رجلاً، ستةٌ من المهاجرين : أبُو بَكْرٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بن الجراح وعليٌّ، وطَلْحَة، وعبد الرحمن بن عَوْفٍ، وسعد بن أبي وَقَّاصٍ - وسبعة من الأنصار - حباب بن المنذر وأبو دُجَانَة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصِّمَّة، وسهل بن حُنَيْف، وأسَيْد بن حُضَيْر، وسعد بن مُعَاذٍ(٢)- وقيل : أرْبَعَةَ عشَرَ ؛ سبعةٌ من المهاجرين، فذكر الزبير بن العوّام معهم، وسبعةٌ من الأنصار.
وقيل : إن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت : ثلاثة من المهاجرين : طلحة، والزبير، وعلي، وخمسة من الأنصار : أبو دُجَانة، والحارث بن الصِّمَّة، وحباب بن المُنْذِرِ، وعاصم بن ثابتٍ، وسهل بن حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد.
ورُوي أنه أصيب مع رسول الله ﷺ نحو ثلاثينَ، كلهم يجيء، ويَجْثو بين يديه، ويقول : وجهي لوجهك الفداء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك السَّلامُ غيرَ مُودَّعٍ.
قوله :﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ السين في ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ للطلب، والظاهر أن استفعل ها هنا - بمعنى أفْعَل ؛ لأن القصة تدلُّ عليه، فالمعنى : حَمَلَه على الزلة، فيكون ك " اسْتَلَّ " و " أبَلَّ ". و " أزَلَّ " واستزلَّ بمعنى وَاحِدٍ، قال تعالى :
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦].
وقال ابن قتيبةَ :﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ طلب زلَّتَهُمْ، كما يقال : استعجلته : أي : طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله.
فصل
قال الكعبيُّ : الآية تدلُّ على أن المعاصيَ لا تُنْسَب إلى الله ؛ فإنه -تعالى- نسبها هنا إلى الشِّيْطَانِ، فهو كقوله تعالى - حكاية عن موسى - :﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
[القصص: ١٥] وكقوله - حكاية عن يُوسفَ - :﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله - حكاية عن صاحب موسى - :﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].
قوله :﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ فيه وجهانِ :
الأول : أن الباء للإلصاق، كقولك : كتبت بالقَلَم، وقطعت بالسِّكِّين، والمعنى : أنه قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطتها قدر الشيطان على استزلالهم، وعلى هذا التقدير اختلفوا :
فقال الزَّجَّاجُ : إنهم لم يتولَّوْا عناداً، ولا فراراً من الزَّحْف، رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكَّرهم الشيطانُ ذنوباً - كانت لهم - فكرهوا البقاء إلا على حالٍ يَرْضَوْنَهَا.
وقيل : لما أذنبوا - بمفارقة المركز، أو برغبتهم في الغنيمة، أو بفشلهم عن الجهاد - أزلَّهم الشيطانُ بهذه المعصيةِ، وأوقعهم في الهزيمة.
الثاني : أن تكونَ الباء للتبعيض، والمعنى : أنَّ هذه الزَّلَّةَ وقعت لهم في بعض أعمالهم.
قوله :﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ هذه الآية تدل على أن تلك الزَّلَّة ما كانت بسبب الكُفْرِ ؛ فإن العفو عن الكفر لا يجوز ؛ لقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾
[النساء: ٤٨] فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز.
قالت المعتزلة : ذلك الذنب إن كان من الصغائر، جاء العفو عنه من غير توبةٍ، وإن كان من الكبائر لم يَجُز العفو عنه من غيب توبة - وإن كان ذلك غير مذكور في الآية.
قال القاضي : والأقربُ أن ذلك الذنب كان من الصغائر، لوجهين :
أحدهما : أنه لا يكاد - في الكبائر - يقال :[ إنها زَلَّة ](٣)، إنما يقال ذلك في الصغائر.
الثاني : أن القوم ظنوا أنَّ الهزيمةَ لما وقعت على المشركين، لم يَبْقَ إلى ثباتهم في ذلك المكانِ حاجة فلا جرم -انقلبوا عنه، وتحوَّلوا لطلب الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مَدْخَلاً.
قال ابنُ الخَطِيبِ : وهذه تكلُّفات لا حاجة إليها، وقد بينَّا كونها من الكبائر، والاجتهاد لا مدخل له مع النص الصريح بلزوم المركز، سواء كانت الغلبة لهم، أو عليهم.
ثم قال :﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة، وهذا يدل على أن ذلك الذنب كان من الكبائر ؛ لأن لو كان من الصغائر لوجب أن يعفو عنه - على قول المعتزلة - ولو كان العفو واجباً لما حَسُنَ التمدُّح به ؛ لأن من يظلم إنساناً لا يحسُن ان يتمدّح بأنه عفا عنه، وغفر له.
١ البيت للفرزدق ينظر ديوانه ٢/٣٢٩، وخزانة الأدب ٧/٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٩، والدرر ٥/١٣٢، وشرح شواهد المغني ٢/٥٣٦، ولسان العرب (يدي)، ومغني اللبيب ١/١٩٦، والدر المصون ٢/٢٤٠..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٥٧) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
٣ في أ: عفا الله عنهم..
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٥٧) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
٣ في أ: عفا الله عنهم..