غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
﴿القراءات﴾ :﴿الرعب﴾ بضمتين حيث كان : ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب. الباقون : بسكون العين - ﴿ومأواهم﴾ وبابه بغير همز : أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. ﴿ولقد صدقكم﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد : حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل. ﴿وتغشى﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة : حمزة وعلي وخلف. الباقون : بياء الغيبة ﴿كله﴾ بالرفع : أبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون : بالنصب ﴿يعملون بصير﴾ بياء الغيبة : ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة. الباقون : بالخطاب ﴿متم﴾ و ﴿متنا﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان : نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلا ههنا لجوار ﴿قتلتم﴾ الباقون : بضم الميم من مات يموت. ﴿يجمعون﴾ بياء الغيبة : حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.
الوقوف :﴿سلطاناً﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿النار﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ه ﴿بإذنه﴾ ج لأن " حتى " تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران " إذا " مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره. والوقف على ﴿تحبون﴾ ظاهر في الوجهين. ﴿الآخرة﴾ ج لأن " ثم " لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿صرفكم﴾ على الجواب المحذوف. ﴿ليبتليكم﴾ ج ﴿عفا عنكم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿أصابكم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿طائفة منكم﴾ ( لا ) لأن الواو للحال. ﴿الجاهلية﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿لله﴾ ط ﴿يبدون لك﴾ ط ﴿ههنا﴾ ط ﴿مضاجعهم﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم. ﴿وليبتلي﴾ ﴿ما في قلوبكم﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿الجمعان﴾ ( لا ) لأن إنما خبر إن ﴿كسبوا﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿عنهم﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿وما قتلوا﴾ ج لأن لام ﴿يجعل﴾ قد يتعلق بقوله :﴿وقالوا لإخوانهم﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿تجمعون﴾ ه ﴿تحشرون﴾ ه ﴿لنت لهم﴾ ج لأن الواو للعطف و " لو " للشرط ﴿من حولك﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿الأمر﴾ ج لفاء التعقيب مع " إذا " الشرطية ﴿على الله﴾ ط ﴿المتوكلين﴾ ه ﴿لكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿من بعده﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
قوله عز من قائل :﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.
ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله ﷺ قتل. ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن : أعن رسول الله ﷺ تفرون ؟ وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل أغزل. وقال بعض الرواة : إن المسلمين لم يعدوا الجبل. قال القفال : الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب. وأما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هنالك- ومن المنهزمين عمر- إلا انه لم يكن في أوائل المنهزمين. ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي ﷺ. ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي ﷺ : لقد ذهبتم فيها عريضة. وأما الذين ثبتوا مع الرسول ﷺ فكانوا أربعة عشر رجلاً. سبعة من المهاجرين : أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام. وسبعة من الأنصار : الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين : علي وطلحة والزبير. وخمسة من الأنصار : أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف. ثم لم يقتل منهم أحد. وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله ﷺ نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾ تقول : زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق. والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها. والباء في ﴿ببعض ما كسبوا﴾ للاستعانة مثلها في : كتبت بالقلم. والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي. وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : قال الزجاج : إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلى على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة. فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه. وقيل : إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة. وقيل : كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.
وإنما قال :﴿ببعض ما كسبوا﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله :﴿لها ما كسبت﴾[البقرة: ١٣٤، ١٤١، ٢٨٦] أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله تعالى كقوله :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠] وقال الحسن : استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. ويحتمل أن تكون الباء بمعنى " في " أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال. إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها. ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز. بقي البحث في أنه أي ذنب هو ؟ والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله. ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر ؟ قالت المعتزلة : كلاهما محتمل. لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية. قال القاضي : الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر. قالت الأشاعرة : إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص. وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ولقد صدقكم الله﴾ أيها الطلاب ﴿وعده﴾ ألا من طلبني وجدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿من بعد ما أراكم﴾ الدليل بالتربية ﴿ما تحبون﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة. قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال : ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ولقد عفا عنكم﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿والله خبير بما تعملون﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.
ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة. فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة. وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ظن الجاهلية﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره. هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء ؟ ﴿ما قتلنا ههنا﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ أنها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾[الأعراف: ٤٣]﴿يوسوس في صدور الناس﴾
[الناس: ٥] ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾[المجادلة: ٢٢]﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾[الرعد: ٢٨] ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم. ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ ليعلم أن الله تعالى في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو. ومن هنا قال :" لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان. لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون. وباقي الحقائق قد مرت في التفسير. وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك القوى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها. ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.
الوقوف :﴿سلطاناً﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿النار﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ه ﴿بإذنه﴾ ج لأن " حتى " تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران " إذا " مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره. والوقف على ﴿تحبون﴾ ظاهر في الوجهين. ﴿الآخرة﴾ ج لأن " ثم " لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿صرفكم﴾ على الجواب المحذوف. ﴿ليبتليكم﴾ ج ﴿عفا عنكم﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿أصابكم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿طائفة منكم﴾ ( لا ) لأن الواو للحال. ﴿الجاهلية﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿لله﴾ ط ﴿يبدون لك﴾ ط ﴿ههنا﴾ ط ﴿مضاجعهم﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم. ﴿وليبتلي﴾ ﴿ما في قلوبكم﴾ ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿الجمعان﴾ ( لا ) لأن إنما خبر إن ﴿كسبوا﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿عنهم﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿وما قتلوا﴾ ج لأن لام ﴿يجعل﴾ قد يتعلق بقوله :﴿وقالوا لإخوانهم﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿تجمعون﴾ ه ﴿تحشرون﴾ ه ﴿لنت لهم﴾ ج لأن الواو للعطف و " لو " للشرط ﴿من حولك﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿الأمر﴾ ج لفاء التعقيب مع " إذا " الشرطية ﴿على الله﴾ ط ﴿المتوكلين﴾ ه ﴿لكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿من بعده﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه.
قوله عز من قائل :﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.
ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله ﷺ قتل. ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن : أعن رسول الله ﷺ تفرون ؟ وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل أغزل. وقال بعض الرواة : إن المسلمين لم يعدوا الجبل. قال القفال : الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب. وأما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هنالك- ومن المنهزمين عمر- إلا انه لم يكن في أوائل المنهزمين. ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي ﷺ. ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي ﷺ : لقد ذهبتم فيها عريضة. وأما الذين ثبتوا مع الرسول ﷺ فكانوا أربعة عشر رجلاً. سبعة من المهاجرين : أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام. وسبعة من الأنصار : الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين : علي وطلحة والزبير. وخمسة من الأنصار : أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف. ثم لم يقتل منهم أحد. وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله ﷺ نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾ تقول : زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق. والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها. والباء في ﴿ببعض ما كسبوا﴾ للاستعانة مثلها في : كتبت بالقلم. والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي. وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : قال الزجاج : إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلى على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة. فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه. وقيل : إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة. وقيل : كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.
وإنما قال :﴿ببعض ما كسبوا﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله :﴿لها ما كسبت﴾[البقرة: ١٣٤، ١٤١، ٢٨٦] أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله تعالى كقوله :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠] وقال الحسن : استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. ويحتمل أن تكون الباء بمعنى " في " أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال. إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها. ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز. بقي البحث في أنه أي ذنب هو ؟ والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله. ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر ؟ قالت المعتزلة : كلاهما محتمل. لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية. قال القاضي : الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر. قالت الأشاعرة : إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص. وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.
ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة. فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة. وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ظن الجاهلية﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره. هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء ؟ ﴿ما قتلنا ههنا﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾ أنها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾[الأعراف: ٤٣]﴿يوسوس في صدور الناس﴾
[الناس: ٥] ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾[المجادلة: ٢٢]﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾[الرعد: ٢٨] ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم. ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ ليعلم أن الله تعالى في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو. ومن هنا قال :" لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان. لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون. وباقي الحقائق قد مرت في التفسير. وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله :﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك القوى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها. ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.