فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿لاَ تَكُونُوا كالذين كَفَرُوا﴾ هم المنافقون الذين قالوا :﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا﴾. قوله :﴿وَقَالُوا لإخوانهم﴾ في النفاق، أو في النسب، أي : قالوا لأجلهم :﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرض﴾ إذا ساروا فيها للتجارة، أو نحوها، قيل :" إن " " إذا " هنا المفيدة لمعنى الاستقبال، بمعنى " إذا " المفيدة لمعنى المضيّ. وقيل : هي على معناها، والمراد هنا : حكاية الحال الماضية. وقال الزجاج :" إذا " هنا تنوب عن ما مضى من الزمان، وما يستقبل ﴿لوْ كَانُوا غُزًّى﴾ جمع غاز كراكع وركع، وغائب وغيب، قال الشاعر :
قل للقوافل والغزى إذا غزوا ***. . .
﴿لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اللام متعلقة بقوله :﴿قَالُوا﴾ أي : قالوا ذلك، واعتقدوه ؛ ليكون حسرة في قلوبهم. والمراد : أنه صار ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا حسرة، أو متعلقة بقوله :﴿لاَ تَكُونُوا﴾ أي : لا تكونوا مثلهم في اعتقاد ذلك ؛ ليجعله الله حسرة في قلوبهم، فقط دون قلوبكم. وقيل : المعنى لا تلتفتوا إليهم ؛ ليجعل الله عدم التفاتكم إليهم حسرة في قلوبهم، وقيل المراد : حسرة في قلوبهم يوم القيامة لما فيه من الخزي، والندامة :﴿والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ﴾ فيه ردّ على قولهم، أي : ذلك بيد الله سبحانه يصنع ما يشاء، ويحكم ما يريد، فيحيي من يريد، ويميت من يريد من غير أن يكون للسفر، أو الغزو أثر في ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله تعالى :﴿وَقَالُوا لإخوانهم إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرض﴾ الآية، قال : هذا قول عبد الله بن أبيّ بن سلول، والمنافقين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال : يحزنهم قولهم، ولا ينفعهم شيئاً. وأخرجوا عن قتادة في قوله :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ الله﴾ يقول : فبرحمة من الله :﴿لِنتَ لَهُمْ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ قال : لانصرفوا عنك. وأخرج ابن عديّ، والبيهقي في الشعب، قال السيوطي - بسند حسن - عن ابن عباس : قال : لما نزلت :﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ قال رسول الله ﷺ :" أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكنّ الله جعلها رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً " وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس :﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾. قال : أبو بكر وعمر. وأخرج ابن مردويه، عن عليّ قال :«سئل رسول الله ﷺ، عن العزم، فقال :" مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم "
وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس : لعلّ رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَغُلَّ﴾ قال : ما كان لنبيّ أن يتهمه أصحابه. وقد ورد في تحريم الغلول أحاديث كثيرة.
وأخرج ابن جرير، و ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس :﴿هُمْ درجات عِندَ الله﴾ يقول : بأعمالهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة في قوله :﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين﴾ الآية، قالت : هذه للعرب خاصة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى