جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزّى لّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوّة محمد ﷺ، وقال لإخوانه من أهل الكفر ﴿إذا ضَرَبُوا في الأَرْضِ﴾ فخرجوا من بلادهم سفرا في تجارة، ﴿أو كَانُوا غُزّى﴾ يقول : أو كان خروجهم من بلادهم غزاة، فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم، ﴿لو كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وما قُتِلُوا﴾ يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار، أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله أو تجارة : لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا. ﴿لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ يعني : أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنا في قلوبهم وغمّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جلّ ثناؤه وبيده. وقد قيل : إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول وأصحابه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُو لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ﴾. . . الاَية. قال : هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبيّ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أوْ كانُوا غُزّى﴾ قول المنافق عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون في ذلك : هم جميع المنافقين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد. قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿يا أيها الّذِينَ آمَنوا لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾. . . الاَية : أي لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله، وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا : لو أطاعونا ما ماتوا، وما قتلوا.
وأما قوله :﴿إذَا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ فإنه اختُلِف في تأويله، فقال بعضهم : هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿إذَا ضَرَبُوا في الأرضِ﴾ وهي التجارة.
وقال آخرون : بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿إذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ﴾ : الضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله.
وأصل الضرب في الأرض : الإبعاد فيها سيرا. وأما قوله :﴿أوْ كانُوا غُزّى﴾ فإنه يعني : أو كانوا غُزاة في سبيل الله. والغزي : جمع غاز، جمع على فُعّل كما يجمع شاهد : شُهّد، وقائل : قُوّل. وقد ينشد بيت رؤبة :
| فاليَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهي | وأَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفّه |
وينشد أيضا :
*** وقولهُمْ إلاّ دَهٍ فَلا دَهِ***
وإنما قيل :﴿لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أوْ كانُوا غُزّى﴾ بإصحاب ماضي الفعل الحرف الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل : وقالوا لإخوانهم ثم قيل : إذا ضربوا. وإنما يقال في الكلام : أكرمتك إذ زرتني، ولا يقال : أكرمتك إذا زرتني، لأن القول الذي في قوله :﴿وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ﴾ وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى المستقبل، وذلك أن العرب تذهب بالذين مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة «مَنْ » و«ما »، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جمعهن أشياء مجهولات غير مؤقتات توقيت عمرو وزيد. فلما كان ذلك كذلك، وكان صحيحا في الكلام فصيحا أن يقال للرجال : أكرم من أكرمك، وأكرم كل رجل أكرمك، فيكون الكلام خارجا بلفظ الماضي مع مَن وكل مجهول، ومعناه الاستقبال، إذ كان الموصوف بالفعل غير موقت، وكان «الذين » في قوله :﴿لا تَكُونُوا كالّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ﴾ غير موقتين، أجريت مجرى «من » و«ما » في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في «ما » :
وإني لآتيكم تَشَكّرَ ما مضى من الأمْرِ وَاسْتيجابَ ما كان في غَدِ
فقال : ما كان في غد، وهو يريد : ما يكون في غد، ولو كان أراد الماضي لقال : ما كان في أمس، ولم يجز له أن يقول : ما كان في غد. ولو كان الذي موقتا، لم يجز أن يقال : ذلك خطأ أن يقال لك : من هذا الذي أكرمك إذا زرته ؟ لأن الذي ههنا موقت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام هذا، لكان جائزا فصيحا، لأن الذي يصير حينئذٍ مجهولاً غير موقت، ومن ذلك قول الله عزّ وجلّ :﴿إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ﴾ فردّ «يصدون » على «كفروا »، لأن «الذين » غير موقتة، فقوله :﴿كَفَرُوا﴾ وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله :﴿إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعِمل صَالِحا﴾، وقوله :﴿إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ معناه : إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم، وإلا من يتوب ويؤمن، ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير¹ والعلة في كل ذلك واحدة. وأما قوله :﴿لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ فإنه يعني بذلك : حزنا في قلوبهم. كما :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال : يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لقلة اليقين بربهم جلّ ثناؤه.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاللّهْ يُحْيِي ويُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿واللّهُ يُحْيي ويُمِيتُ﴾ : والله المعجل الموت لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء دون غيره من سائر خلقه. وهذا من الله عزّ وجلّ ترغيب لعباده المؤمنين على جهاد عدوّه، والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قلّ عددهم، وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله، وإعلام منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحد ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له، ونهي منه لهم إذ كان كذلك أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قُتل منهم في حرب المشركين. ثم قال جلّ ثناؤه :﴿وَاللّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول : إن الله يرى ما تعملون من خير وشرّ، فاتقوه أيها المؤمنون، فإنه محص ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق :﴿وَاللّهُ يُحيِي ويُمِيتُ﴾ : أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وأما قوله:"ولقد عفا الله عنهم"، فإن معناه: ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم. كما:-
٨١٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله:"ولقد عفا الله عنهم"، يقول:"ولقد عفا الله عنهم"، إذ لم يعاقبهم.
٨١٠٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله في تولِّيهم يوم أحد:"ولقد عفا الله عنهم"، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟.
* * *
وقد بينا تأويل قوله:"إن الله غفور حليم"، فيما مضى. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر ="إذا ضربوا في الأرض"
(٢) انظر ما سلف ٥: ١١٧، ٥٢١.
* * *
وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبَّهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه.
*ذكر من قال ذلك:
٨١٠٧- حدثني محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنو لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم" الآية، قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي.
٨١٠٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى"، قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول.
٨١٠٩- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* * *
وقال آخرون في ذلك: هم جميع المنافقين.
*ذكر من قال ذلك:
٨١١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يا أيها
* * *
وأما قوله:"إذا ضربوا في الأرض"، فإنه اختلف في تأويله. (٢) فقال بعضهم: هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة.
*ذكر من قال ذلك:
٨١١١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إذا ضربوا في الأرض"، وهي التجارة.
* * *
وقال آخرون: بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك:
٨١١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إذا ضربوا في الأرض"، الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله. (٣)
* * *
وأصل"الضرب في الأرض"، الإبعاد فيها سيرًا. (٤)
* * *
وأما قوله:"أو كانوا غُزًّى"، فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله.
* * *
و"الغزي" جمع"غاز"، جمع على"فعَّل" كما يجمع"شاهد""شهَّد"، و"قائل""قول"،. وقد ينشد بيت رؤبة:
(٢) انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف ٥: ٥٩٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٦.
(٣) الأثر: ٨١١٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، ١٢٣، وهو بعض الأثر السالف: ٨١١٠، وتتمته.
(٤) انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف ٥: ٥٩٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٦.
وينشد أيضًا:
وقَوْلُهُمْ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ *
* * *
وإنما قيل:"لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى"، فأصحبَ ماضي الفعل، الحرفَ الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل:"وقالوا لإخوانهم"، ثم قيل:"إذا ضربوا"، وإنما يقال في الكلام:"أكرمتك إذْ زرتني"، ولا يقال:"أكرمتك إذا زرتني". لأن"القول" الذي في قوله:"وقالوا لإخوانهم"، وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى
"نهنهت فلانًا عن الشيء فتنهنه"، أي: زجرته فانزجر، وكففته فانكف. و"الأول": الرجوع. يقول: قد كفني عن الصبا طولى عتابي لنفسي وملامتي إياها، ورجوع عقل لا يوصف بالسفه، بعد جنون الشباب، ثم قول الناس: "إلا ده، فلا ده".
وقد اختلف في تفسير"إلا ده فلا ده"، اختلاف كثير، قال أبو عبيدة: "يقول إن لم يكن هذا فلا ذا. ومثل هذا قولهم: إن لم تتركه هذا اليوم فلا تتركه أبدًا، وإن لم يكن ذاك الآن، لم يكن أبدًا". وقال ابن قتيبة: "يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره... ويروى أهل العربية أن الدال فيه مبدلة من ذال، كأنهم أرادوا: إن لم تكن هذه، لم تكن أخرى".
وقال أبو هلال: "قال بعضهم: يضرب مثلا للرجل يطلب شيئًا، فإذا منعه طلب غيره. وقال الأصمعي: لا أدري ما أصله! وقال غيره: أصله أن بعض الكهان تنافر إليه رجلان فامتحناه، فقالا له: في أي شيء جئناك؟ قال: في كذا، قالا: لا! فأعاد النظر وقال: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يكن كذا فليس غيره، ثم أخبرهما... وكانت العرب تقول، إذا رأى الرجل ثأره: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يثأر الآن، لم يثأر أبدًا".
ومهما يكن من أصله، فإن رؤبة يريد: زجرني عن ذلك كف نفسي عن الغي، وأوبة حلم أطاره جنون الشباب، وقول ناصحين يقول: إن لم ترعو الآن عن غيك، فلن ترعوى ما عشت!
فلما كان ذلك كذلك = وكان صحيحًا في الكلام فصيحًا أن يقال للرجل:"أكرمْ من أكرمك""وأكرم كل رجل أكرمك"، فيكون الكلام خارجًا بلفظ الماضي مع"من"، و"كلٍّ"، مجهولَيْنِ ومعناه الاستقبال، (٣) إذ كان الموصوف بالفعل غير مؤقت، وكان"الذين" في قوله:"لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض"، غير موقَّتين، (٤) = أجريت مجرى"من" و"ما" في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء، (٥) وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في"ما": (٦)
| وإنّي لآتِيكُمْ تَشَكُّرَ مَا مَضَى | مِنَ الأمْرِ واسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ (٧) |
ولو كان"الذي" موقَّتًا، لم يجز أن يقال ذلك. خطأ أن يقال:"لتُكرِمن
(٢) الموقت، والتوقيت: هو المعرفة المحددة، والتعريف المحدد، وهو الذي يعني سماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد، مثل"زيد"، فإنه يعين مسماه تعيينًا مطلقًا، أو محددًا. وانظر ما سلف ١: ١٨١، تعليق: ١ / ٢: ٣٣٩. والمجهول: غير المعروف، وهو النكرة.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة"مع من وكل مجهول"، والصواب ما أثبت، ويعني بقوله"مجهولين": نكرتين.
(٤) "موقتين" جمع"موقت" بالياء والنون، وهي المعرفة كما سلف. والسياق"وكان الذين...... غير موقتين"، لأن"الذين" جمع، فوصفها بالجمع.
(٥) في المخطوطة"التي تذهب الجزاء"، وفي معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٣: "لأن"الذين" يذهب بها إلى معنى الجزاء، من: من، وما". فالتصرف الذي ذهب إليه الناشر الأول صواب جيد جدًا."والترجمة" هنا: التفسير والبيان.
(٦) هو الطرماح بن حكيم.
(٧) مضى تخريج البيت وشرحه فيما سلف ٢: ٣٥١، تعليق: ٥.
* * *
وأما قوله:"ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، فإنه يعني بذلك: حزنًا في قلوبهم، (٣) كما:-
٨١١٣- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"في قلوبهم"، قال: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئًا.
٨١١٤- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٨١١٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه. (٤)
* * *
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٣، ٢٤٤.
(٣) انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف ٣: ٢٩٥ - ٢٩٩.
(٤) الأثر: ٨١١٥- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٠، ٨١١٢.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (والله يحيي ويميت) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، (١) والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه.
وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله = وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له = ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين.
* * *
ثم قال جل ثناؤه:"والله بما تعملون بصيرٌ"، يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.
٨١١٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله يحيي ويميت"، أي: يعجل ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته. (٢)
* * *
(٢) الأثر: ٨١١٦- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٥.