تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وما كان لنبي أن يغل ) يقرأ بقراءتين (١)، فمن قرأه : بفتح الياء وضم الغين، فمعناه : أن يخون.
قال ابن عباس : سبب نزول الآية : أنه يوم بدر فقدت قطيفة حمراء، فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : الرسول أخذها ؛ فنزل قوله :( وما كان لنبي أن يغل ).
وقال محمد بن كعب القرظي : معناه : وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي، ويخون فيه.
وفيه قول ثالث :«أن النبي ﷺ كان قد بعث طلائع، فهمّ ألا يعطيهم من الغنائم شيئا ؛ فنزل قوله :( وما كان لنبي أن يغل ) » (٢) قال قتادة : أن يخان منه، أي : لا تخونوه، وقيل معناه : أن ينسب إلى الغلول، وقيل معناه : أن يلقى غلا، وهذا غريب من معنى القراءة الأولى. والغُلول : الخيانة، والغِلّ : الحقد، والغَلَل : الماء الذي يجري بين الشجر، ومنه قول الشاعر :
لَعِبَ [ السُّيولُ ] (٣) به فأصبح ماؤه غَلَلاً [ يخلل ] (٤) في أصول الخِرْوَع
وفي الخبر : أن النبي ﷺ قال :«ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله، ونصيحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين ؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم (٥). ( ومن يغلل ) أي : ومن يخن ( يأت بما غل يوم القيامة ) قيل : يأتي ما غل بعينه يوم القيامة، وذلك معنى قوله ﷺ فيما روى عنه :«لألقين أحدكم يوم القيامة، وعلى رقبته فرس له حمحمة قد غله، فيقول : يا محمد، يا محمد، فأقول : لا أغني عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يأتي يوم القيامة، وعلى رقبته شاة لها ثُغاء، قد غلها، فيقول يا محمد، يا محمد، فأقول : لا أغني عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، قد غله، فيقول : يا محمد، يا محمد، فأقول : لا أغني عنك من الله شيئا ألا قد بلغت » (٦).
والقول الثاني : أنه أراد به : يأتي بإثم ما غل يوم القيامة، وفي الخبر :«أن رجلا كان على ثَقَلِ (٧) رسول الله ﷺ، فاستشهد فقال الناس هو في الجنة، فقال النبي ﷺ هو في النار ؛ فَطُلب، فإذا هو قد غلَّ عباءة عن المغنم » (٨).
( ثم توفى كل نفس ما كسبت ) أي : جزاء ما كسبت، فالجزاء مضمر فيه ( وهم لا يظلمون ).
١ - قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بفتح الياء وضم الغين، وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح الغين. انظر النشر (٢/٢٤٣)..
٢ - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/٤١٣ رقم ١٥٠٧٨)، وابن جرير (٤/١٠٣) عن الضحاك مرسلا إلا أنه قرأ: «وما كان لنبي أن يغل»..
٣ - في "الأصل وك": السيوف، وما أثبتناه من لسان العرب (مادة: غلل) وفيه أيضا: يُقَطّع في أصول الخروع بدلا من يُخلل..
٤ - كذا في "الأصل وك" وفي لسان العرب..
٥ - رواه ابن ماجة (١/٨٤ رقم ٢٣٠)، وأحمد (٥/١٨٣)، والدارمي (١/٨٦-٨٧ رقم ٢٢٩، وابن أبي عاصم في السنة (٥/٤٥ رقم ٩٤)، والطبراني في الكبير (٥/١٤٣ رقم ٤٨٩٠)، و(١٥٤-١٥٥ رقم ٤٩٢٥) وابن حبان في صحيحه (١/٢٧٠ رقم ٦٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/٣٨-٣٩) كلهم من حديث زيد بن ثابت.
قال ابن أبي عاصم: وفيه عن جبير بن مطعم، وابن مسعود، ومعاذ، وأنس..

٦ - متفق عليه من حديث أبي هريرة. رواه البخاري (٦/٢١٤-٢١٥ رقم ٣٠٧٣)، ومسلم (١٢/٢٩٩-٣٠٠ رقم ١٨٣١)..
٧ - قال ابن الأثير هو: متاع السفر. انظر النهاية (مادة: ثقل)..
٨ - رواه البخاري في صحيحه (٦/٢١٦ رقم ٣٠٧٤)، وابن ماجه (٢/٩٥٠ رقم ٢٨٤٩) وابن أبي شيبة (١٢/١٥٣٧٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/٣/ رقم ٢٧٢٠) جميعهم من حديث عبد الله بن عمرو، ووقع عند ابن أبي شيبة: عبد الله بن عمر، وهو تصحيف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى