البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الغلول : أخذ المال من الغنيمة في خفاء.
والفعل منه غلَّ يَغُلُّ بضم الغين.
والغل الضغن، والفعل منه غلَّ يغِلُ بكسر الغين.
وقال أبو علي : تقول العرب : أغل الرجل إغلالاً، خان في الأمانة.
قال النمر :
جزى الله عني جمرة بن نوفلجزاء مغل بالأمانة كاذب
وقال بعض النحويين : الغلول مأخوذ من الغلل وهو الماء الجاري في أصول الشجر والروح.
ويقال أيضاً في الغلول : أغل إغلالاً وأغلّ الحارز سرق شيئاً من اللحم مع الجلد.
ويقال : أغله وجده غالاً كقولك : أبخلته وجدته بخيلاً.
السخط مصدر سخط، جاء على القياس.
ويقال فيه : السُخْطُ بضم السين وسكون الخاء.
ويقال : مات فلان في سخطة الملك أي في سخطة.
والسخط الكراهة المفرطة، ويقابله الرضا.
والهمزة فيه للجعل أي : يجعلكم ﴿وما كان لنبي أن يغلّ﴾ قال ابن عباس، وعكرمة، وابن جبير : فقدت قطيفة حمراء من المغانم يوم بدر فقال بعض من كان مع النبي ﷺ : لعلّ رسول الله ﷺ أخذها، فنزلت، وقائل ذلك مؤمن لم يظن في ذلك حرجاً.
وقيل : منافق، وروي أن المفقود سيف.
وقال النقاش : قالت الرماة يوم أحد : الغنيمة الغنيمة، أيها الناس إنّا نخشى أن يقول النبي ﷺ من أخذ شيئاً فهو له، فلما ذكروا ذلك قال :« خشيتم أن نغل » فنزلت.
وروي نحوه عن الكلبي ومقاتل.
وقيل غير هذا من ذلك ما قال ابن إسحاق : إنما نزلت إعلاماً بأن النبي ﷺ لم يكتم شيئاً مما أمر بتبليغه.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها من حيث أنها تضمنت حكماً من أحكام الغنائم في الجهاد، وهي من المعاصي المتوعد عليها بالنار كما جاء في قصة مدعم، فحذرهم من ذلك.
وتقدم لنا الكلام في معنى ما كان لزيد أن يفعل.
وقرأ ابن عباس وابن كثير وأبو عمرو وعاصم أن يغلّ من غلّ مبنياً للفاعل، والمعنى : أنه لا يمكن ذلك منه، لأن الغلول معصية، والنبي ﷺ معصوم من المعاصي، فلا يمكن أن يقع في شيء منها.
وهذا النفي إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوهم فيه ذلك، ولا أن ينسب إليه شيء من ذلك.
وقرأ ابن مسعود وباقي السبعة : أن يُغَل بضم الياء وفتح الغين مبنياً للمفعول.
فقال الجمهور : هو من غل.
والمعنى : ليس لأحد أن يخونه في الغنيمة، فهي نهي للناس عن الغلول في المغانم، وخص النبي ﷺ بالذكر وإن كان ذلك حراماً مع غيره، لأن المعصية بحضرة النبي أشنع لما يحب من تعظيمه وتوقيره، كالمعصية بالمكان الشريف، واليوم المعظم.
وقيل : هو من أغل رباعياً، والمعنى : أنه يوجد غالاً كما تقول : أحمد الرجل وجد محموداً.
وقال أبو علي الفارسي : هو من أغل أي نسب إلى الغلول.
وقيل له : غللت كقولهم : أكفر الرجل، نسب إلى الكفر.
﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ ظاهر هذا أنه يأتي بعين ما غل، ورد ذلك في صحيح البخاري ومسلم.
ففي الحديث ذكر الغلول وعظمه وعظم أمره، ثم قال :« لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : ما أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك »
الحديث وكذلك ما جاء في حديث ابن اللتبية :« والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلا جاء به يحمله يوم القيامة على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر » وروي عنه أيضاً وفرس له حمجة وفي حديث مدعم :« أن الشملة التي غلت من المغانم يوم حنين لتشتعل عليه ناراً ومجيئه بما غلّ فضيحة له على رؤوس الاشهاد يوم القيامة » وقال الكلبي بمثل له ذلك الشيء الذي غله في النار، ثم يقال له : انزل فخذه، فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ صومعته وقع في النار، ثم كلف أن ينزل إليه فيخرجه، يفعل ذلك به.
وقيل : يأتي حاملاً إثْم ما غلَّ.
وقيل : يؤخذ من حسناته عوض ما غل.
وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم الغلول والوعيد عليه.
﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ هذه جملة معطوفة على الجملة الشرطية لما ذكر من مسألة الغلول، وما يجري لصاحبها يوم القيامة.
ذكر أن ذلك الجزاء ليس مختصاً بمن غلّ، بل كل نفس توفى جزاء ما كسبت من غير ظلم، فصار الغال مذكوراً مرتين : مرّة بخصوصه، ومرّة باندراجه في هذا العام ليعلم أنه غير متخلص من تبعة ما غل، ومن تبعة ما كسبت من غير الغلول.
وتقدّم تفسير هذه الجملة، فأغنى عن إعادته هنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات الطباق في : ينصركم ويخذلكم، وفي رضوان الله وبسخط.
والتكرار في : ينصركم وينصركم، وفي الجلالة في مواضع.
والتجنيس المماثل : في يغل وما غل.
والاستفهام الذي معناه في : أفمن اتبع الآية.
والاختصاص في : فليتوكل المؤمنون، وفي : وما كان لنبي، وفي : بما يعملون خص العمل دون القول لأن العمل جل ما يترتب عليه الجزاء.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى