بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ لنبي أَنْ يَغُلَّ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم :﴿يَغُل﴾ بنصب الياء. وقرأ الباقون : يُغَل بضم الياء ونصب الغين. فمن قرأ بالنصب معناه : وما كان لنبي أن يخون في الغنيمة، ومن قرأ بالضم فمعناه : لا ينسب إلى الغلول. وذلك أنه لما كان يوم أحد أخذوا في النهب والغارة وتركوا القتال، وخافوا أن تفوتهم الغنيمة، وظنوا أن من أخذ شيئاً يكون له، وأن النبيّ ﷺ لا يقسم لهم، فنزلت هذه الآية :﴿وَمَا كَانَ لنبي أَنْ يَغُلَّ﴾ يقول : ما جاز لنبيّ أن يخون في الغنيمة، وما جاز لأصحابه أن ينسبوه إلى الخيانة ﴿وَمَن يَغْلُلْ﴾ أي يخن في الغنيمة ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾ يعني يحمله على ظهره. وهذا كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :«لأَعرِفَنّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْتِي عَلَى عُنقِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ : لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله شَيْئاً » يريد أن من غل شاة أو بقرة، أتى بها يوم القيامة يحملها. ويقال : من غلّ شيئاً في الدنيا، يمثل له يوم القيامة في النار، ثم يقال له : انزل إليه فَخُذْه، فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله، فكلما انتهى به إلى الباب سقط منه إلى أسفل جهنم، فيرجع فيأخذه فلا يزال كذلك ما شاء الله. ويقال :﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول، ويقال هذا على سبيل التمثيل ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾ أي بوباله، فيكون وباله على عنقه كما قال في آية أخرى :﴿قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بلقاء الله حتى إِذَا جاءتهم الساعة بَغْتَةً قَالُواْ يا حسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ أَلاَ ساء مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١].
ثم قال تعالى :﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي توفى وتجازى كل نفس ﴿مَّا عَمِلَتْ﴾ من خير أو شر ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً

تفسير هذه الآية من كتب أخرى