غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يغل﴾ بفتح الياء وضم الغين : ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس. الباقون : بالضم والفتح على البناء للمفعول. ﴿ولا يحسبن﴾ بياء الغيبة : الحلواني عن هشام. الباقون : بتاء الخطاب. ﴿قتلوا﴾ بالتشديد : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف. ﴿وإن الله﴾ بالكسر على الابتداء : عليّ. الباقون : بالفتح. ﴿وخافوني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. الباقون بالحذف.
الوقوف :﴿إن يغل﴾ ط لابتداء الشرط ﴿يوم القيامة﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿لا يظلمون﴾ ه ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿والحكمة﴾ ج لمكان العطف ﴿مبين﴾ ه ﴿مثليها﴾ ( لا ) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿قلتم﴾ ﴿هذا﴾ ط ﴿أنفسكم﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿وليعلم المؤمنين﴾ ه لا ﴿نافقوا﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم. ﴿أو ادفعوا﴾ ط ﴿لاتبعناكم﴾ ط ﴿للإيمان﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف. ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿يكتمون﴾ ج لاحتمال كون " الذين " بدلاً عن ضمير ﴿يكتمون﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿ما قتلوا﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿أمواتاً﴾ ط ﴿عند ربهم﴾ ص ﴿يرزقون﴾ ه لا لأن ﴿فرحين﴾ حالهم. ﴿من فضله﴾ ( لا ) للعطف. ﴿من خلفهم﴾ ( لا ) لتعلق " أن ". ﴿يحزنون﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون. ﴿وفضل﴾ ( لا ) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية. ﴿المؤمنين﴾ ه ج لأن " الذين " يصلح صفة للمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة. ﴿القرح﴾ ط لمن لم يقف على ﴿المؤمنين﴾. ﴿عظيم﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. ﴿إيماناً﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب. ﴿الوكيل﴾ ه ﴿سوء﴾ لا للعطف ﴿رضوان الله﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿أولياءه﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿مؤمنين﴾ ه.
التفسير : هذا حكم من أحكام الجهاد. وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية. يقال : أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه. والغل الحقد الكامن في الصدر. والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار. وقال ﷺ :" من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " وقال أيضاً :" هدايا الولاة غلول " وقال الجوهري : غل يغل غلولاً أي خان. وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة : الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي ﷺ من الكبائر.
عن ثوبان عن رسول الله ﷺ :" من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال :" لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له زعاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين : ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سماوات، أفلا يكون أميناً في الأرض ؟ هيهات. وقيل : اللام منقولة والتقدير : وما كان نبي ليغل كقوله
﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾[مريم: ٣٥] أي ما كان الله ليتخذ ولداً. ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان : أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته. وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها : أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش. ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا. ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح. وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من الإغلال. قال المبرد : تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة. قال القتيبي : لو كان هذا هو المراد لقيل " يغلل " كما يقال :" يفسق ويكفر " والأولى أن يقال : هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال : أبخلته أي وجدته كذلك. ومن هنا قال في الكشاف : معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلا ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.
وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول : كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل ؟ وقال خصيف : قلت لسعيد بن جبير : ما كان لنبي أن يغل. فقال : بل يغل ويقتل. ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين : لعل رسول الله ﷺ أخذها. وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال : إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ما كان لنا أن نشرك﴾[يوسف: ٣٨]﴿ما كان ليأخذ أخاه﴾[يوسف: ٧٦]﴿ما كان لنفس أن تموت﴾
[ آل : عمران : ١٤٥ ]﴿ما كان الله ليضل قوماً﴾[التوبة: ١١٥]﴿وما كان الله ليطلعكم﴾[آل عمران: ١٧٩] وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال : ليس في الكلام " ما كان لك أن تضرب " بضم التاء. والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس. ويوافق هذه القراءة ما روي أنه ﷺ لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت. وعلى هذا يغل بمعنى يخان. وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال ﷺ : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم ؟ فنزلت. وعن ابن عباس أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي ﷺ من الغنائم بشيء زائد فنزلت. وقال الكلبي ومقاتل :" نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا : يخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال لهم ﷺ : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال ﷺ : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم ". وروي أنه ﷺ بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية. وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر. وقيل : نزلت في أداء الوحي. كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل : ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾
[التوبة: ٣٥] ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له : أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه. وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال : إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. قلت : ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده. قال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته. ومثله قوله ﷺ :" لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم : هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته. والمراد أنه تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية. وقيل : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة. ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل : ثم يوفى ما كسب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها. فالآن نقول : إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين والصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة. وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾
[يس: ٢٦-٢٧] وكما ورد في حديث الشهداء " من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة " والذي جاء فيه " إن أرواحهم في أجواف طير خضر " فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً. فمن الممكن أن يخلق الله تعالى من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله تعالى. وأما كون الطير خضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾[المطففين: ٢٤] وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤول إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله :﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾[آل عمران: ١٠٦] وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله تعالى ورسوله أعلم بمرادهما.
القراءات :﴿يغل﴾ بفتح الياء وضم الغين : ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس. الباقون : بالضم والفتح على البناء للمفعول. ﴿ولا يحسبن﴾ بياء الغيبة : الحلواني عن هشام. الباقون : بتاء الخطاب. ﴿قتلوا﴾ بالتشديد : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف. ﴿وإن الله﴾ بالكسر على الابتداء : عليّ. الباقون : بالفتح. ﴿وخافوني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. الباقون بالحذف.
الوقوف :﴿إن يغل﴾ ط لابتداء الشرط ﴿يوم القيامة﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿لا يظلمون﴾ ه ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿والحكمة﴾ ج لمكان العطف ﴿مبين﴾ ه ﴿مثليها﴾ ( لا ) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿قلتم﴾ ﴿هذا﴾ ط ﴿أنفسكم﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿وليعلم المؤمنين﴾ ه لا ﴿نافقوا﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم. ﴿أو ادفعوا﴾ ط ﴿لاتبعناكم﴾ ط ﴿للإيمان﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف. ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿يكتمون﴾ ج لاحتمال كون " الذين " بدلاً عن ضمير ﴿يكتمون﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿ما قتلوا﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿أمواتاً﴾ ط ﴿عند ربهم﴾ ص ﴿يرزقون﴾ ه لا لأن ﴿فرحين﴾ حالهم. ﴿من فضله﴾ ( لا ) للعطف. ﴿من خلفهم﴾ ( لا ) لتعلق " أن ". ﴿يحزنون﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون. ﴿وفضل﴾ ( لا ) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية. ﴿المؤمنين﴾ ه ج لأن " الذين " يصلح صفة للمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة. ﴿القرح﴾ ط لمن لم يقف على ﴿المؤمنين﴾. ﴿عظيم﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. ﴿إيماناً﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب. ﴿الوكيل﴾ ه ﴿سوء﴾ لا للعطف ﴿رضوان الله﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿أولياءه﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿مؤمنين﴾ ه.
الوقوف :﴿إن يغل﴾ ط لابتداء الشرط ﴿يوم القيامة﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿لا يظلمون﴾ ه ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿والحكمة﴾ ج لمكان العطف ﴿مبين﴾ ه ﴿مثليها﴾ ( لا ) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿قلتم﴾ ﴿هذا﴾ ط ﴿أنفسكم﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿وليعلم المؤمنين﴾ ه لا ﴿نافقوا﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم. ﴿أو ادفعوا﴾ ط ﴿لاتبعناكم﴾ ط ﴿للإيمان﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف. ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿يكتمون﴾ ج لاحتمال كون " الذين " بدلاً عن ضمير ﴿يكتمون﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿ما قتلوا﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿أمواتاً﴾ ط ﴿عند ربهم﴾ ص ﴿يرزقون﴾ ه لا لأن ﴿فرحين﴾ حالهم. ﴿من فضله﴾ ( لا ) للعطف. ﴿من خلفهم﴾ ( لا ) لتعلق " أن ". ﴿يحزنون﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون. ﴿وفضل﴾ ( لا ) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية. ﴿المؤمنين﴾ ه ج لأن " الذين " يصلح صفة للمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة. ﴿القرح﴾ ط لمن لم يقف على ﴿المؤمنين﴾. ﴿عظيم﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. ﴿إيماناً﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب. ﴿الوكيل﴾ ه ﴿سوء﴾ لا للعطف ﴿رضوان الله﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿أولياءه﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿مؤمنين﴾ ه.
التفسير : هذا حكم من أحكام الجهاد. وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية. يقال : أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه. والغل الحقد الكامن في الصدر. والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار. وقال ﷺ :" من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " وقال أيضاً :" هدايا الولاة غلول " وقال الجوهري : غل يغل غلولاً أي خان. وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة : الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي ﷺ من الكبائر.
عن ثوبان عن رسول الله ﷺ :" من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال :" لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له زعاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين : ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سماوات، أفلا يكون أميناً في الأرض ؟ هيهات. وقيل : اللام منقولة والتقدير : وما كان نبي ليغل كقوله
﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾[مريم: ٣٥] أي ما كان الله ليتخذ ولداً. ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان : أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته. وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها : أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش. ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا. ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح. وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من الإغلال. قال المبرد : تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة. قال القتيبي : لو كان هذا هو المراد لقيل " يغلل " كما يقال :" يفسق ويكفر " والأولى أن يقال : هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال : أبخلته أي وجدته كذلك. ومن هنا قال في الكشاف : معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلا ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.
وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول : كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل ؟ وقال خصيف : قلت لسعيد بن جبير : ما كان لنبي أن يغل. فقال : بل يغل ويقتل. ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين : لعل رسول الله ﷺ أخذها. وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال : إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ما كان لنا أن نشرك﴾[يوسف: ٣٨]﴿ما كان ليأخذ أخاه﴾[يوسف: ٧٦]﴿ما كان لنفس أن تموت﴾
[ آل : عمران : ١٤٥ ]﴿ما كان الله ليضل قوماً﴾[التوبة: ١١٥]﴿وما كان الله ليطلعكم﴾[آل عمران: ١٧٩] وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال : ليس في الكلام " ما كان لك أن تضرب " بضم التاء. والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس. ويوافق هذه القراءة ما روي أنه ﷺ لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت. وعلى هذا يغل بمعنى يخان. وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال ﷺ : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم ؟ فنزلت. وعن ابن عباس أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي ﷺ من الغنائم بشيء زائد فنزلت. وقال الكلبي ومقاتل :" نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا : يخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال لهم ﷺ : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال ﷺ : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم ". وروي أنه ﷺ بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية. وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر. وقيل : نزلت في أداء الوحي. كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل : ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾
[التوبة: ٣٥] ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له : أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه. وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال : إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. قلت : ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده. قال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته. ومثله قوله ﷺ :" لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم : هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته. والمراد أنه تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية. وقيل : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة. ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل : ثم يوفى ما كسب.
[يس: ٢٦-٢٧] وكما ورد في حديث الشهداء " من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة " والذي جاء فيه " إن أرواحهم في أجواف طير خضر " فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً. فمن الممكن أن يخلق الله تعالى من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله تعالى. وأما كون الطير خضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾[المطففين: ٢٤] وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤول إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله :﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾[آل عمران: ١٠٦] وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله تعالى ورسوله أعلم بمرادهما.
القراءات :﴿يغل﴾ بفتح الياء وضم الغين : ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس. الباقون : بالضم والفتح على البناء للمفعول. ﴿ولا يحسبن﴾ بياء الغيبة : الحلواني عن هشام. الباقون : بتاء الخطاب. ﴿قتلوا﴾ بالتشديد : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف. ﴿وإن الله﴾ بالكسر على الابتداء : عليّ. الباقون : بالفتح. ﴿وخافوني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. الباقون بالحذف.
الوقوف :﴿إن يغل﴾ ط لابتداء الشرط ﴿يوم القيامة﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿لا يظلمون﴾ ه ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط ﴿بما تعملون﴾ ه ﴿والحكمة﴾ ج لمكان العطف ﴿مبين﴾ ه ﴿مثليها﴾ ( لا ) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿قلتم﴾ ﴿هذا﴾ ط ﴿أنفسكم﴾ ط ﴿قدير﴾ ه ﴿وليعلم المؤمنين﴾ ه لا ﴿نافقوا﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم. ﴿أو ادفعوا﴾ ط ﴿لاتبعناكم﴾ ط ﴿للإيمان﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف. ﴿في قلوبهم﴾ ط ﴿يكتمون﴾ ج لاحتمال كون " الذين " بدلاً عن ضمير ﴿يكتمون﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿ما قتلوا﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿أمواتاً﴾ ط ﴿عند ربهم﴾ ص ﴿يرزقون﴾ ه لا لأن ﴿فرحين﴾ حالهم. ﴿من فضله﴾ ( لا ) للعطف. ﴿من خلفهم﴾ ( لا ) لتعلق " أن ". ﴿يحزنون﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون. ﴿وفضل﴾ ( لا ) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية. ﴿المؤمنين﴾ ه ج لأن " الذين " يصلح صفة للمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة. ﴿القرح﴾ ط لمن لم يقف على ﴿المؤمنين﴾. ﴿عظيم﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. ﴿إيماناً﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب. ﴿الوكيل﴾ ه ﴿سوء﴾ لا للعطف ﴿رضوان الله﴾ ط ﴿عظيم﴾ ه ﴿أولياءه﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿مؤمنين﴾ ه.