المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿الذين استجابوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿الذين﴾ صفة للمؤمنين على قراءة من كسر الألف من » إن «، والأظهر أن ﴿الذين﴾ ابتداء وخبره في قوله تعالى :﴿للذين أحسنوا﴾ الآية، فهذه الجملة هي خبر الابتداء الأول، والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد(١) في طلب قريش والتظاهر لهم وذلك أنه لما كان في يوم الأحد وهو الثاني من يوم أحد نادى رسول الله ﷺ في الناس باتباع المشركين، وقال : لا يخرجن معنا إلا من شاهدنا بالأمس(٢)، وكانت بالناس جراحة وقرح عظيم، ولكن تجلدوا ونهض معه مائتا رجل من المؤمنين حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وجرت قصة معبد بن أبي معبد التي ذكرناها، ومرت قريش وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في شأن أولئك المستجيبين هذه الآية، ومدحهم لصبرهم، وروي أنه خرج في الناس أخوان(٣) وبهما جراحة شديدة وكان أحدهما قد ضعف، فكان أخوه يحمله عقبة ويمشي هو عقبة، ورغب جابر بن عبد الله إلى النبي ﷺ في الخروج معه فأذن له، وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه الفعلة، وقال رسول الله ﷺ : إنها غزوة(٤).
١ - حمراء الأسد: إحدى غزواته صلى الله عليه وسلم، والموضع على بعد ثمانية أميال من المدينة عن يسار طريق ذي الحليفة، وكانت يوم الأحد لست عشرة مضت أو لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة، (القسطلاني في المواهب بشرح الزرقاني ٢/٥٩)..
٢ - أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ٢/١٠٢) وابن مردويه. وكذا في ابن كثير من عدة طرق (١/٤٢٨) وأخرجه البغوي أيضا. وابن إسحاق في السيرة..
٣ - الرجلان الأخوان هما: عبد الله ورافع ابنا سهل بن رافع كما في السيرة الحلبية (٢/٣٣٩) وكذا ذكرهما وذكر خروجهما لحمراء الأسد ابن قدامة في الاستبصار: ٢٣٠ ط. دار الفكر سنة ١٣٩٢)..
٤ - أخرجه النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني-بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس: (إنها تعد غزوة). (الدر المنثور٢/١٠١).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى