الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿يسارعون فِى الكفر﴾ يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشدّ رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل : هم قوم ارتدّوا عن الإسلام.
فإن قلت : فما معنى قوله :﴿وَلاَ يَحْزُنكَ﴾ ؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتدّ ؟ قلت : معناه لا يحزنوك لخوف أن يضرّوك ويعينوا عليك. ألا ترى إلى قوله ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾ يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائداً على غيرهم. ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله :﴿يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة﴾ أي نصيباً من الثواب ﴿وَلَهُمْ﴾ بدل الثواب ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه.
فإن قلت : هلا قيل : لا يجعل الله لهم حظاً في الآخرة، وأيّ فائدة في ذكر الإرادة ؟ قلت : فائدته الإشعار بأنّ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصاً لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر، تنبيهاً على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى أنّ أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى