المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقرأ نافع وحده «يُحزنك » بضم الياء من أحزن، وكذلك قرأ في جميع القرآن، إلا في سورة الأنبياء ﴿لايحزنهم الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فإنه فتح الياء، وقرأ الباقون «يَحزنك » بفتح الياء من قولك حزنت الرجل، قال سيبويه : يقال حزن الرجل وفتن إذا أصابه الحزن والفتنة، وحزنته وفتنته، إذا جعلت فيه وعنده حزناً وفتنة، كما تقول : دهنت وكحلت، إذا جعلت دهناً وكحلاً، وأحزنته وأفتنته، إذا جعلته حزيناً وفاتناً، كما تقول : أدخلته وأسمعته، هذا معنى قول سيبويه والمسارعة في الكفر هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله والجد في ذلك، وقرأ الحر النحوي(١) «يسرعون » في كل القرآن وقراءة الجماعة أبلغ، لأن من يسارع غيره أشد اجتهاداً من الذي يسرع وحده، ولذلك قالوا- كل مجرٍ بالخلاء يسر-(٢)، وسلَّى الله نبيه بهذه الآية عن حال المنافقين والمجاهدين إذ كلهم مسارع، وقوله تعالى :﴿إنهم لن يضروا الله شيئاً﴾ خبر في ضمنه وعيد لهم أي : إنما يضرون أنفسهم، والحظ إذا لم يقيد فإنما يستعمل في الخير، ألا ترى قوله تعالى :
﴿وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾(٣).
١ - هو الحر بن عبد الله النحوي القارئ، سمع أبا الأسود الدؤلي، وعنه طلب إعراب القرآن أربعين سنة، (بغية الوعاة ١/٤٩٣) وهذه القراءة قد ذكرها ابن جني في المحتسب (١/١٧٧).
٢ - هذا مثل، يضرب للرجل يسرّ بفضيلة في نفسه دون أن يقيسها بفضائل غيره، كراكب الفرس في الخلاء، يظن نفسه فارسا لانعدام المتبارين؛ (انظر جمهرة العسكري ١/١٤٢، والميداني ٢/٥٤، والمستقصى: ٢٦٩، وفصل المقال: ٢٠٣) وللمثل صور أخرى..
٣ - من الآية (٣٥) من سورة فصلت..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى