بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي بما أعطاهم الله من المال، يبخلون ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام، فلا يظنوا أن ذلك ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ يعني : أن البخل شر لهم. ويقال : الفضل شر لهم ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ يقول سيوثقون ﴿مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾ من الزكاة كهيئة الطوق. وروي عن ابن عباس أنه قال : يأتي كنز أحدهم، شجاع أقرع له زبيبتان طوقاً في عنقه، يلدغ خديه ويقول : أنا الزكاة التي بخلت بي في الدنيا وروي عن رسول الله ﷺ نحو هذا فذلك قوله تعالى :﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾ ويقال : هو طوق من نار في عنقه. ويقال : هو على وجه المثل، يعني وبال ذلك في عنقهم كما قال في آية أخرى :﴿وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣].
قوله تعالى :﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾ يعني إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق، ويبقى رب العالمين ثم يقول :﴿يَوْمَ هُم بارزون لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شيء لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]. فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول :﴿يا صاحبي السجن أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [ يوسف : ٣٩ وغيرها ] فذلك قوله تعالى :﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾ يعني يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك. وإنما سمي ميراثاً على وجه المجاز، لأن القرآن بلغة العرب، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثاً على وجه المجاز، وأما في الحقيقة فليس بميراث، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئاً لم يكن يملكه من قبل، والله عز وجل مالكهما، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا.
ثم قال تعالى :﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عالم بمن يؤدي الزكاة وبمن يمنعها، فيجازي كل نفس بما عملت. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿بما يعملون﴾ بالياء، والباقون بالتاء على وجه المخاطبة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى