اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اعلم أنه - تعالى - لما قرَّر الأحكام، وأجاب عن شُبَه المُبْطِلين، عاد إلى ذِكْر ما يدل على التوحيد فذكر هذه الآية.
قال ابنُ عبيد قلت لعائشة - رضي الله عنها - : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ فبكَتْ وأطالت، ثم قالت :" كُلُّ أمره عَجَبٍ، أتاني في ليلتي، فدخل في لحافي، حتى ألصق جِلدَه بجلدي، ثم قال لي : يَا عَائِشَة، هَلْ لَكِ أنْ تَأذَنِي لِي اللَّيْلةَ في عِبَادَةِ رَبِّي ؟ فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي لأحبُّكَ وأحِبُّ مُرَادَكَ، فَقَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَقَامَ إلى قِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ في البيتِ، فَتَوَضَّأ، ولم يُكْثِرْ من صَبِّ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ يُصلِّي، فَقَرأ مِنَ الْقُرْآنِ، وجَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى رَأَيْتُ دُمُوعَه قَدْ بَلَّتِ الأرْض فأتاه بلالٌ يُؤذنُهُ بِصَلاَةِ الْغَدَاةِ، فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أتَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ ؟ فَقَالَ : يَا بِلاَلُ، أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً، ثُمَّ قَالَ : مَا لِيَ لا أبكي وَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآيات، ثُمَّ قَالَ : وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا " (١) وروي :" ويلٌ لِمَنْ لاَكَها بَيْنَ فَكَّيْهِ وَلَمْ يَتَأمَّلْ فِيهَا " (٢).
وروي عن عَلِيٌّ - رضي الله عنه - " أن النبي ﷺ كان إذا قامَ من الليلِ يتسوكُ، ثم ينظر إلى السماء ويقول :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ".
واعلم أنه - تعالى - ذكر هذه الآية في سورة البقرة(٣)، وختمها بقوله :
﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وختمها هنا - بقوله :﴿لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ وذكر في سورة البقرة - مع هذه الدلائل الثلاثة - خمسة أنواعٍ أخر حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل، وهنا اكتفى بذكر ثلاثةٍ - وهي السموات والأرض والليل والنهار - فأمّا الأول فلأن العقلَ له ظاهرٌ، وله لُبّ، ففي أولِ الأمرِ يكون عقْلاً، وفي كمالِ الحالِ يكون لُبًّا، ففي حالةِ كمالِهِ لا يحتاجُ إلى كَثرة الدلائلِ، فلذلك ذكر له ثلاثةَ أنواعٍ من الدلائلِ، وأسقط الخمسةَ، واكتفى بذكر هذه الثلاثة ؛ لأن الدلائل السماوية أقْهَر وأبْهَر، والعجائب فيها أكثر.
١ أخرجه ابن حبان (٥٢٣ ـ موارد) وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" ص: ١٨٦.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٩٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في "التفكر" وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم والأصبهاني في"الترغيب" وابن عساكر عن عطاء.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبدا شكورا فهو عند البخاري كتاب التفسير باب: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (٤٨٣٧)..

٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٩/١٠٩)..
٣ آية: ١٦٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى